
تغادر القوات الأميركية آخر قواعدها في العراق، منهية وجودًا عسكريًا استمر أكثر من عقدين، في خطوة تفتح مرحلة جديدة أمام بغداد وتضع قدرات قواتها الأمنية أمام اختبار حقيقي، وسط مخاوف عراقية من اتساع نفوذ الفصائل المدعومة من إيران، وفي الوقت نفسه احتمال استغلال تنظيم الدولة الإسلامية أي ثغرات أمنية لإعادة تنظيم صفوفه.
وبحسب رويترز، يأتي الانسحاب وفق اتفاق أُقر عام 2024 خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، وتنفذه إدارة دونالد ترامب، في وقت تخوض فيه واشنطن حربًا مع إيران التي تتمتع بنفوذ واسع داخل العراق عبر حلفاء وفصائل مسلحة.
ولا يعني انتهاء الوجود العسكري الأميركي أن العراق يدخل تلقائيًا مرحلة من عدم الاستقرار، لكنه ينقل مسؤولية أكبر إلى المؤسسات الأمنية العراقية التي ستحتاج إلى تعويض أدوار كانت واشنطن تؤديها في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والدعم العسكري.
اختبار أمني لبغداد
يأتي الانسحاب بعد 23 عامًا من الغزو الأميركي للعراق عام 2003، الذي أطاح بنظام صدام حسين، قبل أن تدخل البلاد في سنوات من العنف والصراع انتهت لاحقًا إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وسيطرته على مساحات واسعة من البلاد.
وكانت القوات الأميركية قد غادرت العراق في نهاية عام 2011، لكنها عادت بعد أقل من ثلاث سنوات ضمن التحالف الدولي لمساعدة القوات العراقية في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية بين عامي 2014 و2017.
وقال جاسم البهادلي، وهو محلل عراقي يقدم المشورة للقوات الأمنية، إن التجربة السابقة أظهرت أن الفراغ الأمني يمكن أن يكون شديد الخطورة.
وتشير رويترز إلى أن القوات الأميركية كانت تقدم للقوات العراقية معلومات استخباراتية وعمليات مراقبة واستطلاع جوي، وهي قدرات ستحتاج بغداد إلى ضمان استمرارها بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف.
إيران تراقب المشهد
وترى إيران وحلفاؤها في العراق الانسحاب الأميركي مكسبًا استراتيجيًا، خصوصًا أن طهران تقول إن هدفها النهائي هو إخراج القوات الأميركية من الشرق الأوسط.
لكن المخاوف المطروحة في بغداد لا تتعلق فقط بزيادة النفوذ الإيراني المباشر، بل باحتمال أن تستغل الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران غياب القوات الأميركية لتوسيع حضورها داخل مؤسسات الدولة والتأثير بصورة أكبر في القرارات الأمنية والسياسية.
وقال المحلل السياسي أحمد يونس، المقيم في بغداد، إن القلق يتمثل في أن تشعر الجماعات الحليفة لطهران بامتلاك مساحة أكبر للتحرك، بما قد يدفعها إلى محاولة ترسيخ نفوذها داخل مؤسسات الدولة.
وتأتي هذه التطورات فيما يحاول العراق الحفاظ على توازناته بين الولايات المتحدة وإيران، وهما طرفان استخدما الأراضي العراقية في مراحل مختلفة كساحة لصراع غير مباشر.
هل يعود داعش؟
التهديد الآخر الذي يبرز مع انتهاء الوجود العسكري الأميركي هو تنظيم الدولة الإسلامية، الذي خسر الأراضي التي سيطر عليها خلال ذروة قوته، لكنه لم يختفِ بالكامل.
وقال مسؤولون أمنيون عراقيون، في الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، إن التنظيم لا يزال يحتفظ بخلايا نائمة، محذرين من أن غياب بعض قدرات الدعم الأميركي قد يمنحه فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.
وفي ذروة نفوذه، سيطر التنظيم على نحو ثلث مساحة العراق، قبل أن تتمكن القوات العراقية بدعم من التحالف الدولي من استعادة المناطق التي كان يسيطر عليها.
وقال الجنرال العراقي المتقاعد محمد الجبوري، الذي قاد لواءً خلال الحرب على التنظيم، إن السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت المؤسسات الأمنية العراقية قد أعدت خطة بديلة وقابلة للتنفيذ بعد انتهاء مهمة التحالف.
وحذر من أن امتلاك التنظيم طائرات مسيرة مسلحة أو طائرات مسيرة تحمل عبوات ناسفة قد يمثل تحديًا إضافيًا، في ظل محدودية قدرات الدفاع الجوي العراقية.
ما وراء الخبر: خروج القوات الأميركية لا يضع العراق أمام سيناريو واحد محسوم، بل أمام اختبار جديد لتوازن القوى داخله. فبغداد مطالبة بإثبات قدرتها على سد الفجوات الأمنية، فيما قد تحاول الفصائل المدعومة من إيران تحويل الانسحاب إلى نفوذ سياسي وأمني أكبر، بينما يظل تنظيم الدولة الإسلامية تهديدًا قائمًا وإن كان مختلفًا عن مرحلة سيطرته على الأراضي.
وبذلك، فإن السؤال بعد الانسحاب ليس فقط من غادر العراق؟ بل كيف ستدير بغداد الفراغ الذي تركه، ومن سيستفيد من إعادة توزيع النفوذ؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *