
دخلت الحكومة السودانية مرحلة جديدة في محاولتها السيطرة على قطاع الذهب، مع اتجاه وزارة المعادن إلى تجريم حيازة الذهب من دون مستندات رسمية وتشديد الرقابة على إنتاجه وتداوله، في خطوة تقول السلطات إنها تستهدف تهريب المعدن النفيس واستعادة موارد مالية تحتاج إليها الدولة بشدة في ظل الحرب وانهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد.
وأعلن وزير المعادن السوداني نور الدائم طه، الاثنين، أن الوزارة تعمل على مقترحات قانونية تجرّم حيازة الذهب دون وثائق رسمية، أو باستخدام مستندات انتهت صلاحيتها، إلى جانب تشديد الرقابة على عمليات الإنتاج والشراء والتصدير. وجاء ذلك خلال اجتماع لمجلس الوزير ناقش تنظيم قطاع المعادن وإغلاق منافذ التعامل غير المشروع.
ولا تأتي الخطوة بمعزل عن إجراءات أخرى اتخذتها السلطات خلال الأشهر الماضية. فقد قال الوزير في أغسطس إن صادرات الذهب الرسمية خلال الأشهر الستة الأولى من 2026 وصلت إلى مستوى يعادل إجمالي الصادرات الرسمية المسجلة خلال عام 2025، معتبراً ذلك نتيجة لتشديد الرقابة ومحاولة إدخال مزيد من الإنتاج إلى القنوات الرسمية.
ذهب كثير.. وعائدات رسمية أقل
تكمن المشكلة في الفجوة بين حجم الذهب المنتج وما يدخل فعليًا إلى قنوات التصدير الرسمية. وتشير بيانات رسمية نقلتها رويترز في سبتمبر إلى أن السودان سجل إنتاجًا يقارب 70 طنًا من الذهب في 2025، بينما أظهرت بيانات بنك السودان المركزي تصدير نحو 14.7 طن فقط خلال العام نفسه. ولا يمكن اعتبار الفارق بأكمله ذهبًا مهربًا، إذ قد يدخل في الحساب اختلاف طرق القياس والمخزونات والاستهلاك المحلي والتجارة الداخلية، لكنه يعكس فجوة كبيرة بين الإنتاج المسجل والصادرات الرسمية.
وتقول السلطات السودانية إن تهريب الذهب يحرم الدولة من موارد نقد أجنبي هي في أمس الحاجة إليها. فالذهب أصبح منذ فقدان معظم عائدات النفط بعد انفصال جنوب السودان أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للبلاد، بينما تسببت الحرب في تراجع الإنتاج وتعطيل التجارة وتفاقم أزمة النقد الأجنبي.
ويظهر الضغط المالي بوضوح في سوق العملة. فقد أفادت رويترز في 22 سبتمبر بأن الجنيه السوداني فقد قرابة نصف قيمته في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش منذ بداية الصيف، مع وصول سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 7500 جنيه، مقارنة بنحو 4100 جنيه في مايو.
لماذا أصبح الذهب قضية حرب؟
تحول الذهب خلال الحرب إلى أكثر من مجرد سلعة تصديرية. فمع تراجع موارد الدولة وتفتت السيطرة الاقتصادية والجغرافية، أصبح التحكم في مناطق الإنتاج وطرق نقل الذهب وبيعه جزءًا من اقتصاد الحرب. وتقول تحليلات ومصادر دولية إن شبكات الذهب غير الرسمية توفر مصادر مالية لجهات مسلحة ووسطاء وشبكات تجارية، لكن حجم الأموال التي تذهب مباشرة إلى تمويل العمليات العسكرية يظل محل خلاف، ولا ينبغي الخلط بين تهريب الذهب وتمويل طرف عسكري محدد من دون أدلة على كل حالة.
وتشير مبادرة مركز صوفان في تحليل نشرته في يوليو إلى أن الحرب عمّقت دور الذهب في الاقتصاد السياسي للنزاع، وأن شبكات التعدين والتهريب أصبحت قضية أمنية عابرة للحدود. كما أشارت إلى عمليات مصرية استهدفت التعدين غير القانوني والتهريب قرب الحدود مع السودان.
وفي يوليو، اتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات تستهدف الذهب السوداني، شملت حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب ذي المنشأ السوداني، ضمن إجراءات قال المجلس الأوروبي إنها تستهدف مصادر تمويل الحرب.
لكن هذه الإجراءات لا تعني أن كل الذهب السوداني غير قانوني أو أن كل إنتاج الذهب يمول الحرب؛ فالسودان يملك قطاع تعدين رسميًا وآلاف العاملين في التعدين التقليدي، كما أن طرق الإنتاج والتجارة تختلف بشدة بين المناطق الخاضعة لأطراف النزاع.
معركة الإيرادات قبل معركة الذهب
بالنسبة إلى الحكومة السودانية، تبدو المعركة الحالية اقتصادية بقدر ما هي أمنية. فالسيطرة على مسار الذهب تعني محاولة تحويل جزء أكبر من إنتاج البلاد إلى قنوات يمكن للدولة تتبعها وفرض الرسوم والضرائب عليها والاستفادة من عائداتها من النقد الأجنبي.
ولهذا تتجه الإجراءات الجديدة إلى أكثر من منع التهريب عند الحدود. وزارة المعادن تتحدث عن الإحاطة بالإنتاج، وتنظيم الشراء والتصدير، وتفعيل الرقابة الإلكترونية على التعدين التقليدي، إضافة إلى تجريم حيازة الذهب غير الموثق.
وفي سبتمبر، قالت وزارة المعادن أيضًا إنها أجرت مباحثات أولية مع نحو 70 شركة صينية ودولية مهتمة بالاستثمار في قطاع التعدين، في إطار مسعى حكومي لزيادة الإيرادات وتقليل تهريب الذهب.
لكن نجاح هذه السياسة سيعتمد على قدرة الدولة على توفير سوق رسمي قادر على منافسة القنوات غير الرسمية، وعلى ضمان أن يحصل المنتجون والتجار على أسعار وشروط تجعل تسليم الذهب للدولة أكثر جاذبية من تهريبه.
ما وراء الخبر
المفارقة السودانية أن البلاد تملك أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في وقت تحتاج فيه بشدة إلى الدولار، لكنها لا تستطيع تحويل كامل إنتاجها من الذهب إلى إيرادات رسمية.
ولهذا فإن قرار تجريم الذهب غير الموثق ليس مجرد تشريع لمكافحة التهريب؛ إنه جزء من معركة أوسع حول من يملك السيطرة على المورد، ومن يحصل على عائداته، وكيف يمكن استخدام الذهب لإنقاذ اقتصاد تآكلت موارده خلال الحرب.
وإذا تمكنت السلطات من زيادة حصة الذهب التي تمر عبر القنوات الرسمية، فقد تحصل على مورد إضافي لتمويل الواردات والخدمات وإعادة الإعمار. أما إذا بقيت الفجوة بين الإنتاج والتصدير واسعة، فستظل الثروة المعدنية واحدة من مفارقات الاقتصاد السوداني: ذهب يخرج من الأرض بكميات كبيرة، لكن عائداته لا تصل بالقدر نفسه إلى خزينة الدولة أو إلى حياة السودانيين اليومية.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *