الرئيسية/اقتصاد/حرب الشرق الأوسط والديون تضغطان على الاقتصاد العالمي
اقتصاد

حرب الشرق الأوسط والديون تضغطان على الاقتصاد العالمي

تتجه اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تايلاند إلى اختبار صعب للاقتصاد العالمي، مع تزامن الحرب في الشرق الأوسط واضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف الاقتراض وتفاقم أعباء الديون.

شعار الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لعام 2026 في بانكوك بتايلاند

تتجه اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تايلاند إلى اختبار صعب للاقتصاد العالمي، مع تزامن الحرب في الشرق الأوسط واضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف الاقتراض وتفاقم أعباء الديون. وبينما لا تزال المؤسسات الدولية تتوقع استمرار النمو العالمي، تتزايد المخاطر التي قد تدفع اقتصادات عديدة إلى تباطؤ أشد، وتضع الدول النامية أمام خيارات مالية أكثر صعوبة.

وذكرت وكالة رويترز، في تقرير من بانكوك نُشر في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي دخلت شهرها الثامن وفق التقرير، ستكون من أبرز الملفات المطروحة خلال الاجتماعات السنوية، إلى جانب التضخم وتكاليف الطاقة والديون العامة. وتكتسب المناقشات أهمية إضافية مع انعقاد الاجتماعات خارج واشنطن للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، وسط تصاعد المخاوف من انتقال آثار الصراع العسكري إلى الأسواق والمالية العامة.

الطاقة تعيد رسم مخاطر النمو

تتمثل إحدى أبرز قنوات انتقال الحرب إلى الاقتصاد العالمي في الطاقة. فإغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، أدى وفق رويترز إلى توقف تدفقات تعادل نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية، ما زاد الضغوط على الأسواق وأثار مخاوف بشأن استدامة الإمدادات المتاحة.

وقال رئيس البنك الدولي أجاي بانجا لرويترز إن النمو العالمي صمد في البداية بصورة أفضل من المتوقع، لكن الضغوط بدأت تتزايد مجدداً. وحذّر من تزامن ارتفاع أسعار الديزل والأسمدة مع المخاطر المناخية المرتبطة بظاهرة النينيو، مشيراً إلى أن اجتماع هذه العوامل قد يزيد التحديات أمام صناع السياسات خلال الأشهر المقبلة.

ولا يقتصر أثر ارتفاع أسعار الطاقة على تكلفة الوقود؛ إذ تنتقل الضغوط إلى النقل والإنتاج والزراعة، فيما تزيد أسعار الأسمدة المرتفعة تكاليف إنتاج الغذاء. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد تواجه الحكومات معضلة مزدوجة: احتواء التضخم وحماية القدرة الشرائية، من دون إضعاف النشاط الاقتصادي بمزيد من التشدد المالي أو النقدي.

وفي محاولة لتهدئة الأسواق، أفادت رويترز بأن دول مجموعة السبع اتفقت على سحب 100 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة من النفط الخام والديزل. كما أورد التقرير إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقاً مع روسيا من شأنه زيادة إمدادات الديزل إلى الأسواق العالمية، بالتزامن مع إعفاء مؤقت من بعض العقوبات الأمريكية. غير أن هذه الإجراءات لا تضمن وحدها استقرار الأسعار، خصوصاً إذا استمرت المخاطر الأمنية التي تهدد تدفق الطاقة.

فاتورة الديون تضيق خيارات الحكومات

في موازاة أزمة الطاقة، يبرز الدين العام باعتباره أحد أكبر القيود على قدرة الحكومات في مواجهة الصدمات. فارتفاع أسعار الفائدة يجعل إعادة تمويل الديون أكثر كلفة، ويزيد الأموال التي يتعين تخصيصها لخدمة الدين بدلاً من توجيهها إلى الصحة والتعليم والبنية التحتية أو برامج الحماية الاجتماعية.

وحذّرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، في كلمتها التمهيدية للاجتماعات، من صعوبة المرحلة المقبلة. ووفق التقرير، يتوقع الصندوق أن يتجاوز الدين العام العالمي 100% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2030، ليبلغ مستوى لم يُسجّل منذ الحرب العالمية الثانية.

ورغم أن الاقتصادات المتقدمة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تسجل مستويات مرتفعة من الدين مقارنة بحجم اقتصاداتها، فإن المخاطر تكون أشد على الدول النامية والأقل دخلاً. فهذه الدول تواجه في الوقت نفسه ارتفاع تكلفة الاقتراض، واحتمال خروج رؤوس الأموال إلى أسواق توفر عوائد أعلى، وتراجع قدرتها على تمويل الخدمات العامة والاستثمار.

وأشار التقرير إلى أن مدفوعات الفائدة تستحوذ في المتوسط على أكثر من 10% من إيرادات الدول النامية. ويعني ذلك أن أي زيادة إضافية في كلفة التمويل قد تضيق المساحة المتاحة أمام الحكومات للاستجابة للأزمات، خصوصاً عندما تتزامن مع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.

وتكشف هذه المعادلة عن تفاوت في القدرة على امتصاص الصدمات: فالدول التي تمتلك احتياطيات مالية وأسواقاً تمويلية أعمق تستطيع التحرك لفترة أطول، بينما تجد الدول محدودة الموارد نفسها أمام خيارات أكثر قسوة، بين زيادة الضرائب وخفض الإنفاق أو السعي إلى إعادة التفاوض بشأن الديون.

الدول النامية بين الإصلاح والتقشف

لا يتوقف التحدي عند حجم الديون، بل يمتد إلى شروط الحصول على التمويل الدولي. ووفق رويترز، تثير مراجعات صندوق النقد الدولي لبرامج الإقراض مخاوف لدى بعض الدول منخفضة الدخل، في ظل توجه نحو إصلاحات أقل عدداً وأكثر عمقاً بوصفها شروطاً للحصول على القروض.

وقالت يولاندا فريسنيو، العاملة في مجال العدالة المتعلقة بالديون لدى شبكة «يوروداد»، إن ارتفاع مدفوعات الدين وشروط الصندوق يدفعان دولاً إلى تقليص إنفاقها، محذرة من أن التعديلات الجديدة قد تزيد الضغوط الاجتماعية. واستشهدت بكينيا، حيث أثارت إجراءات خفض الإنفاق وزيادة الضرائب احتجاجات واسعة، خصوصاً بين الشباب.

وتضع هذه المخاوف المؤسسات المالية الدولية أمام معادلة معقدة: ضمان قدرة الدول المقترضة على الوفاء بالتزاماتها، من جهة، وتجنب فرض إجراءات تزيد الفقر والتوتر الاجتماعي وتضعف فرص التعافي، من جهة أخرى. فالإصلاح المالي قد يكون ضرورياً لاستعادة الاستدامة، لكن أثره يعتمد أيضاً على توقيته وتوزيع تكاليفه ومدى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وفي هذا السياق، لا تبدو أزمة الديون منفصلة عن الصراع في الشرق الأوسط. فارتفاع أسعار الطاقة والغذاء قد يرفع التضخم ويزيد كلفة الدعم والاستيراد، بينما تحد خدمة الدين المرتفعة من قدرة الحكومات على التدخل. وكلما طال أمد الصدمات، ازدادت صعوبة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي معاً.

الأمن لم يعد ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد

تظهر التطورات الأخيرة مدى الترابط بين المخاطر الأمنية والأسواق المالية. وأشار جوش ليبسكي، نائب رئيس قسم الاقتصاد الدولي في المجلس الأطلسي، في تصريحات نقلتها رويترز، إلى أن التداعيات الاقتصادية للصراعات الجيوسياسية أصبحت أكثر وضوحاً، خصوصاً مع ارتباط الحرب وإغلاق مضيق هرمز بإمدادات الطاقة والتجارة الدولية.

كما يفرض اتساع نطاق المخاطر تحديات لوجستية وأمنية على المشاركين في الاجتماعات، إذ تمر بعض الرحلات المتجهة إلى بانكوك عبر الشرق الأوسط، في وقت أشار فيه التقرير إلى الهجمات الأخيرة على مطارات سعودية. ويعكس ذلك كيف باتت التطورات الأمنية قادرة على التأثير في حركة النقل والتجارة، فضلاً عن أسعار السلع وتوقعات الاستثمار.

وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن استمرار اضطراب الملاحة والطاقة قد ينعكس على صادرات النفط وتكاليف التأمين والشحن وثقة المستثمرين، حتى مع اختلاف قدرة كل اقتصاد على امتصاص الصدمة. أما الاقتصادات المستوردة للطاقة، فقد تواجه فاتورة استيراد أعلى وضغوطاً إضافية على العملات والميزانيات.

ولا يعني ذلك أن التباطؤ العالمي أصبح حتمياً؛ فالبنك الدولي، بحسب بانجا، لا يعتزم حالياً خفض توقعاته للنمو، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي أن يظل نمو الاقتصاد العالمي عند نحو 3% في عام 2026، وفق الأرقام الواردة في التقرير. لكن هذه التوقعات تظل معرضة للتغير إذا استمرت اضطرابات الطاقة أو تصاعدت تكاليف التمويل.

ما وراء الخبر، أن التحدي الأكبر أمام الاقتصاد العالمي ليس كل أزمة على حدة، بل تزامنها في وقت تتراجع فيه قدرة عدد من الحكومات على استخدام الإنفاق العام والاقتراض لامتصاص الصدمات. فالحرب قد ترفع تكاليف الطاقة والغذاء، وأسعار الفائدة قد تزيد أعباء الديون، فيما تدفع الضغوط المالية بعض الدول إلى التقشف في لحظة تحتاج فيها إلى دعم النمو وحماية مواطنيها.

ومن هنا، لن يُقاس نجاح اجتماعات بانكوك بمجرد الحفاظ على توقعات النمو الحالية، بل بقدرة المؤسسات الدولية على إيجاد استجابة تراعي تفاوت أوضاع الدول، وتحد من انتقال صدمات الطاقة إلى أزمات ديون واجتماعية أعمق. ففي عالم تتشابك فيه الجغرافيا السياسية مع الأسواق، بات استقرار الاقتصاد العالمي مرتبطاً بقدرته على مواجهة الأزمات المتزامنة، لا التعامل مع كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى.

"
“تتجه اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تايلاند إلى اختبار صعب للاقتصاد العالمي، مع تزامن الحرب في الشرق الأوسط واضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف الاقتراض وتفاقم أعباء الديون. وبينما لا تزال المؤسسات الدولية تتوقع استمرار النمو العالمي، تتزايد المخاطر التي قد تدفع اقتصادات عديدة إلى تباطؤ أشد، وتضع الدول النامية أمام خيارات مالية أكثر”
— اليوم ميديا / اقتصاد

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في اقتصاد ←
57 مليار دولار في احتياطي مصر.. من أين يأتي الدولار وأين يذهب؟

57 مليار دولار في احتياطي مصر.. من أين يأتي الدولار وأين يذهب؟

ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية لمصر إلى نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، وفق البيانات الشهرية التي أعلنها البنك المركزي المصري في 7 أكتوبر 2026. لكن قراءة هذا الرقم تتطلب النظر إلى ما وراء حجمه، لفهم مصادر تدفق العملات الأجنبية، والالتزامات التي تستنزفها، ومدى انعكاسها على قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته التمويلية. وأظهرت بيانات البنك

القاهرة – أحمد محمود عبدالسلام
السبت، ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
كيف تتعامل شركات عالمية في الرياض مع المخاطر الأمنية؟

كيف تتعامل شركات عالمية في الرياض مع المخاطر الأمنية؟

لم يعد التصعيد الأمني في الرياض مقتصرًا على حركة الطيران والمطارات؛ إذ امتد أثره إلى ترتيبات العمل داخل بعض الشركات الدولية، في مؤشر على كيفية تعامل المؤسسات مع المخاطر الأمنية عندما تصل تداعيات المواجهة إلى العاصمة السعودية ومراكز الأعمال فيها. وذكرت وكالة رويترز أن عدة شركات متعددة الجنسيات تعمل في مركز الملك عبد الله المالي

لندن - وكالات
الجمعة، ٩ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
النفط يتجاوز 105 دولارات.. هرمز يشعل مخاوف الأسواق

النفط يتجاوز 105 دولارات.. هرمز يشعل مخاوف الأسواق

قفزت أسعار النفط بأكثر من 5% خلال تعاملات الخميس، مع تصاعد المخاوف بشأن إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، وسط ارتفاع وتيرة الهجمات على ناقلات في الخليج ومضيق هرمز، بالتزامن مع خفض جزء من إنتاج النفط البحري الأميركي بسبب إعصار يقترب من خليج المكسيك. وصعد خام برنت بنحو 4.99% إلى 105.20 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى

لندن - اليوم ميديا
الخميس، ٨ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
100 ألف دولار لعبور هرمز.. من يدفع فاتورة الخطر؟

100 ألف دولار لعبور هرمز.. من يدفع فاتورة الخطر؟

لم تعد تكلفة عبور ناقلات النفط لمضيق هرمز تُقاس فقط بأسعار الوقود والتأمين والشحن؛ فالمخاطر الأمنية وصلت إلى أجور البحارة أنفسهم، مع عرض مبالغ استثنائية لقباطنة وطاقم السفن المستعدين لعبور أحد أخطر الممرات البحرية في العالم. وكشفت Financial Times أن بعض قباطنة ناقلات النفط في الخليج يتقاضون ما يصل إلى 100 ألف دولار شهرياً مقابل

لندن – خالد ياسر أحمد
الأربعاء، ٧ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة