
تأتي دعوة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى نائب رئيس دولة الإمارات ونائب رئيس مجلس الوزراء الشيخ منصور بن زايد آل نهيان لزيارة المملكة غدًا الثلاثاء، في لحظة حساسة للعلاقة بين الرياض وأبوظبي، بالتزامن مع عودة اليمن إلى واجهة الحسابات الأمنية الخليجية وتصاعد هجمات الحوثيين وتقدمهم نحو مناطق استراتيجية على الساحل الغربي.
وأعلنت وزارة الدفاع السعودية أن خالد بن سلمان وجه الدعوة إلى منصور بن زايد لزيارة المملكة في 29 سبتمبر 2026، من دون الكشف عن جدول أعمال الزيارة أو الملفات التي ستبحث خلالها.
وبحسب رويترز، تأتي الدعوة في وقت تواجه فيه السعودية تصعيدًا متزايدًا من الحوثيين، وفي ظل خلفية من التوتر السعودي الإماراتي حول الملف اليمني. وترى الوكالة أن توقيت اللقاء يكتسب أهمية خاصة مع عودة القتال إلى مستويات مرتفعة، وتزايد المخاطر المرتبطة بأمن البحر الأحمر وباب المندب.
من تحالف 2015 إلى اختلاف الحسابات
عندما تدخلت السعودية والإمارات عسكريًا في اليمن عام 2015 ضمن التحالف الداعم للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، كان الهدف الرئيسي مواجهة الحوثيين ومنع الجماعة من السيطرة على البلاد.
لكن سنوات الحرب كشفت اختلافًا تدريجيًا في أولويات البلدين. فقد ركزت الرياض بصورة أكبر على أمن حدودها والحفاظ على إطار الدولة اليمنية، بينما دعمت أبوظبي المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى محلية أخرى في جنوب اليمن، ما أدى إلى نشوء صراع داخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه.
وظهر هذا التباين بصورة علنية في 2019، عندما اندلعت مواجهات في عدن بين القوات الحكومية وقوات المجلس الانتقالي. وتدخلت السعودية لاحتواء المواجهة عبر ترتيبات سياسية، لكن الخلاف حول مستقبل الجنوب وتوزيع النفوذ ظل قائمًا.
وبحسب تحليلات غربية للملف اليمني، فإن التنافس على النفوذ في الجنوب لم يكن منفصلًا عن الحسابات المتعلقة بالموانئ والممرات البحرية، خصوصًا أن جنوب اليمن يطل على خليج عدن وباب المندب.
ديسمبر 2025.. الخلاف يصل إلى ذروته
دخلت العلاقة السعودية الإماراتية مرحلة أكثر حساسية في ديسمبر 2025، عندما تصاعدت المواجهات بين المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المرتبطة بالحكومة اليمنية المدعومة من السعودية.
وتدخلت الرياض عسكريًا ضد تقدم القوات الانفصالية، واتهمت أبوظبي بدعم تحرك يهدد أمنها القومي، بينما نفت الإمارات الاتهامات المتعلقة بإرسال أسلحة إلى المجلس الانتقالي.
ونقلت رويترز آنذاك أن الخلاف كشف عمق التباين بين البلدين بشأن مستقبل اليمن، في وقت كانت فيه القوات المدعومة من الإمارات تحقق تقدمًا في مناطق جنوبية وشرقية.
وانتهت الأزمة بانسحاب القوات الإماراتية المتبقية من اليمن، لتغلق أبوظبي عمليًا مرحلة وجودها العسكري المباشر هناك، لكن ذلك لم ينهِ نفوذها السياسي وعلاقاتها مع عدد من القوى اليمنية المحلية.
الحوثيون يعيدون رسم المشهد
بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022، عاد القتال في اليمن خلال 2026 إلى مستويات أكثر حدة.
وفي سبتمبر، حقق الحوثيون تقدمًا ميدانيًا مهمًا على الساحل الغربي، في تطور أعاد باب المندب إلى قلب الحسابات السعودية والإقليمية.
وأفادت رويترز بأن الحوثيين سيطروا على مدينة المخا ومناطق ساحلية أخرى، ثم تقدموا باتجاه مواقع وجزر استراتيجية في البحر الأحمر. وتكمن أهمية هذه التطورات في قربها من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن.
وفي 11 سبتمبر، ذكرت رويترز أن الحوثيين وصلوا إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، الواقعة في قلب مضيق باب المندب. ويمنح الموقع الجغرافي للجزيرة أهمية خاصة لأي قوة تسيطر عليها، بسبب قربها من الممر الملاحي الرئيسي.
وبذلك لم يعد الصراع يدور فقط حول السيطرة على الأراضي اليمنية، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن الملاحة الدولية وحركة التجارة والطاقة.
السعودية أمام تهديد يتجاوز الحدود
بالنسبة إلى الرياض، يمثل تقدم الحوثيين على الساحل الغربي مشكلة تتجاوز الجغرافيا اليمنية. فالسعودية تعرضت خلال سبتمبر لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة حوثية، بينما أصبحت حماية منشآتها الحيوية وحدودها الجنوبية جزءًا من معادلة أمنية أوسع تشمل البحر الأحمر وباب المندب.
ونقلت رويترز في 19 سبتمبر أن السعودية أعلنت اعتراض صاروخ باليستي أطلق باتجاه الرياض، إلى جانب إحباط هجمات أخرى، فيما أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات على أهداف داخل المملكة.
وتزامن ذلك مع تحرك دبلوماسي سعودي مكثف. وفي واشنطن، ناقش وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تطورات المنطقة، بينما كانت الحرب اليمنية تعود إلى الواجهة الدولية.
وتشير هذه التحركات إلى أن الرياض لا تتعامل مع التصعيد الحوثي باعتباره ملفًا حدوديًا فقط، بل باعتباره جزءًا من منظومة أوسع تتصل بأمن الطاقة والملاحة والعلاقة مع إيران والولايات المتحدة والقوى الإقليمية الأخرى.
لماذا تعود الإمارات إلى المشهد الآن؟
هنا تكتسب دعوة منصور بن زايد أهمية خاصة. فالإمارات، رغم خروجها من الوجود العسكري المباشر في اليمن، ما زالت مرتبطة بالملف عبر علاقاتها مع قوى جنوبية يمنية، كما أن أمن الممرات البحرية يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة لأبوظبي.
وكانت الإمارات قد أعلنت في سبتمبر تضامنها مع السعودية وأدانت الهجمات الحوثية التي استهدفت المملكة، في موقف يعكس وجود أرضية مشتركة بين البلدين في مواجهة الحوثيين.
لكن هذا لا يعني أن الخلافات السابقة اختفت. فالسؤال الذي بقي بعد أزمة 2025 هو: كيف يمكن للسعودية والإمارات تنسيق مواقفهما في اليمن من دون إعادة إنتاج التنافس الذي أضعف المعسكر المناهض للحوثيين؟ وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا مع تقدم الحوثيين باتجاه الساحل وباب المندب.
باب المندب يدخل الحسابات من جديد
تزامن التصعيد اليمني مع أزمة أوسع في الممرات البحرية بالمنطقة. فإلى جانب باب المندب، شهد مضيق هرمز اضطرابات متزايدة، ما جعل أمن طرق التجارة والطاقة قضية مشتركة بالنسبة إلى دول الخليج.
وفي سبتمبر، بحثت السعودية مع روسيا أهمية ضمان المرور الآمن عبر باب المندب وهرمز، في اتصال بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفق ما أوردته رويترز.
كما طلبت الرياض من الصين المساعدة في الضغط على إيران لاحتواء الحوثيين، بحسب تقرير لرويترز في 17 سبتمبر، في مؤشر على اتساع المسار الدبلوماسي السعودي بالتوازي مع التحرك العسكري.
وفي الوقت نفسه، دعت مجموعة السبع إيران إلى وقف دعم الحوثيين، محذرة من تداعيات هجمات الجماعة على التجارة والاستقرار الدولي، وفق رويترز.
وهكذا أصبح اليمن جزءًا من شبكة أوسع من الأزمات التي تتقاطع فيها إيران والخليج والبحر الأحمر وطرق الطاقة العالمية.
ماذا تعني زيارة منصور بن زايد؟
حتى مساء 28 سبتمبر، لا توجد معلومات رسمية تحدد جدول أعمال الزيارة. لذلك لا يمكن الجزم بأن الاجتماع سيؤدي إلى اتفاق جديد بشأن اليمن، أو أن السعودية طلبت من الإمارات العودة عسكريًا إلى الساحة اليمنية.
لكن توقيت اللقاء يضع عدة ملفات في خلفيته، أبرزها اليمن وأمن باب المندب ومستقبل القوى الجنوبية والتنسيق السعودي الإماراتي في مواجهة الحوثيين.
وتبقى النقطة الأهم هي أن البلدين يواجهان اليوم مصلحة مشتركة في منع تحول الساحل الغربي اليمني إلى قاعدة ضغط طويلة الأمد على حركة الملاحة.
لكن كيفية تحقيق ذلك قد تكون أكثر تعقيدًا من مجرد استئناف التعاون العسكري السابق، خصوصًا بعد تجربة السنوات الماضية والخلاف الذي انفجر بينهما حول مستقبل الجنوب.
ما الذي نعرفه وما الذي لم يُحسم؟
المؤكد أن خالد بن سلمان وجه دعوة رسمية إلى منصور بن زايد لزيارة السعودية في 29 سبتمبر، وأن الدعوة تأتي في وقت تواجه فيه المملكة تصعيدًا حوثيًا متزايدًا.
والمؤكد أيضًا أن الحوثيين حققوا خلال سبتمبر تقدمًا مهمًا على الساحل الغربي، ووصلوا إلى مواقع استراتيجية قرب باب المندب، وفق تقارير رويترز.
لكن لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي عن اتفاق سعودي إماراتي جديد بشأن اليمن، أو عودة للقوات الإماراتية إلى العمليات العسكرية، أو جدول أعمال مفصل للقاء.
وهذه الفجوة بين ما هو معلن وما يمكن استنتاجه سياسيًا مهمة في قراءة الزيارة؛ فالتوقيت مهم، لكن التوقيت وحده لا يثبت وجود صفقة أو تحول استراتيجي.
ما وراء الخبر
المعادلة اليمنية تغيرت منذ 2015. ففي بداية الحرب كان الهدف الأساسي للرياض وأبوظبي هو مواجهة الحوثيين ومنع سقوط اليمن بالكامل في يد الجماعة. وبعد أكثر من عقد، أصبح التحدي أكثر تعقيدًا: الحوثيون ما زالوا يمثلون الخصم المشترك، لكن مستقبل الجنوب وتوزيع النفوذ والموانئ والممرات البحرية أصبحت جميعها جزءًا من الحسابات.
واليوم، مع تقدم الحوثيين نحو باب المندب وتصاعد الضغط على السعودية، تعود الحاجة إلى التنسيق السعودي الإماراتي إلى الواجهة.
لكن نجاح هذا التنسيق لن يتوقف فقط على مواجهة الحوثيين، بل على قدرة الرياض وأبوظبي على إدارة اختلافاتهما بشأن مستقبل اليمن نفسه.
ولهذا فإن أهمية زيارة منصور بن زايد غدًا لا تكمن فقط في انعقاد اللقاء، وإنما في ما إذا كان سيخرج منه موقف واضح بشأن اليمن وباب المندب وأمن الملاحة، أو سيبقى في إطار إعادة تنشيط التواصل السياسي بين البلدين. حتى مساء 28 سبتمبر، لا تزال الإجابة مفتوحة.
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *