لم تكن محاولة السيطرة على رحلة فلاي دبي المتجهة إلى تل أبيب في 30 سبتمبر 2026، وفق رواية الادعاء الإماراتي، حادثًا وليد اللحظة؛ إذ تقول السلطات إن مساعد الطيار العُماني همام الهمامي استلهم مخططه المزعوم من هجمات 11 سبتمبر 2001، واستعد له مسبقًا، واستخدم رحلات سابقة للتعرف على المسار والمطار المستهدف.
لكن السؤال الأهم الذي تثيره القضية لا يتعلق بالخطة وحدها، بل بكيفية وصول صاحبها المزعوم إلى قمرة قيادة طائرة ركاب، رغم ما قالت السلطات إنه مؤشرات تطرف ظهرت في سنوات سابقة. وتكشف المعلومات المعلنة حتى الآن عن مسار عابر لعدة دول، وتحقيقات تتناول خلفيته وإجراءات توظيفه، من دون أن تحسم جميع الأسئلة المتعلقة بتبادل المعلومات الأمنية.
من هجمات 11 سبتمبر إلى ملبورن
في إعلان نقلته صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية في 9 أكتوبر، قال النائب العام الإماراتي حمد سيف الشامسي إن التحقيقات تتبعت مؤشرات تطرف لدى الهمامي إلى عام 2017، خلال دراسته في مدينة ملبورن الأسترالية. ووفق الرواية الرسمية، تعرّض حينها لمواد ومحتوى إلكتروني يمجّد التنظيمات المتطرفة والهجمات الانتحارية.
وأضافت الصحيفة أن المشتبه به حضر مسجدًا مرتبطًا بمعهد رويال ملبورن للتكنولوجيا، وأنه التقى، بحسب ما أورده الادعاء، أشخاصًا على صلة بمركز يديره رجل يُعرف باسم «أبو حمزة». ولا تثبت هذه المعلومات بمفردها أن المؤسسة التعليمية أو المسجد أو المركز كان متورطًا في التخطيط للهجوم، كما لا تكفي لإثبات وجود شبكة منظمة.
وقال الادعاء إن الهمامي استلهم هجمات 11 سبتمبر، وإنه أعدّ نفسه نفسيًا وبدنيًا لتنفيذ مخططه المزعوم، بما في ذلك التدرب على الملاكمة لدى مدرب خاص. وتظل هذه التفاصيل جزءًا من الرواية التي أعلنتها السلطات عن التحقيق، وليست جميعها نتائج مستقلة جرى التحقق منها خارج تلك الرواية.
رحلتان سابقتان قبل محاولة السيطرة على الطائرة
بحسب السلطات الإماراتية، استخدم الهمامي رحلتين سابقتين إلى تل أبيب للتعرف على مسار الرحلة والمطار قبل محاولة تنفيذ مخططه المزعوم. وتقول الرواية الرسمية إنه حاول خلال الرحلة FZ1073، المتجهة من دبي إلى تل أبيب، السيطرة على الطائرة أثناء وجودها في الأجواء السعودية.
وذكرت وكالة «رويترز» أن المشتبه به هاجم قائد الطائرة بفأس الطوارئ، ما أدى إلى هبوط حاد للطائرة بنحو 16 ألف قدم خلال 30 ثانية. وتمكن القائد وأفراد الطاقم وآخرون على متن الطائرة من احتواء الموقف، قبل هبوطها اضطراريًا في السعودية.
وتحوّل الحادث بعد ذلك إلى تحقيق متعدد المسارات، شمل ظروف الواقعة داخل قمرة القيادة، والخلفية المهنية للمشتبه به، وما إذا كان قد تصرف بمفرده. وقال الادعاء الإماراتي إنه أقر بالتصرف منفردًا، لكنه أشار إلى استمرار التحقيق في احتمال وجود شركاء أو روابط أخرى.
كيف اجتاز إجراءات التوظيف؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية في القضية. فقد قالت السلطات الإماراتية إن الهمامي اجتاز الفحوصات المهنية والأمنية المطلوبة قبل انضمامه إلى فلاي دبي في يناير 2026، وإن سجلات التحقق لم تكشف مؤشرات على تطرفه أو نيته تنفيذ هجوم.
لكن تقارير أجنبية سابقة، نقلت عن مصادر أمنية واستخباراتية لم تسمّها، قالت إن مخاوف بشأن مواد متطرفة ظهرت خلال فترة عمله التدريبي لدى عُمان للطيران في عام 2024، وإنه أُوقف عن الطيران آنذاك. ولا تتطابق هذه الروايات بالكامل مع الصورة التي عرضتها السلطات الإماراتية عن إجراءات التحقق، ما يجعل من الضروري التمييز بين المعلومات المنسوبة إلى مصادر أمنية وبين النتائج الرسمية المعلنة.
وبحسب المعلومات المنشورة، عمل الهمامي لدى عُمان للطيران بين عامي 2020 و2024، ثم أمضى فترة قصيرة في التدريب لدى الخطوط الملكية المغربية عام 2025، قبل انضمامه إلى فلاي دبي. كما خضعت دراسته في أستراليا وتدريبه اللاحق في مجال الطيران لتدقيق جهات مختصة في أكثر من دولة.
ولا تثبت هذه الوقائع وحدها أن فلاي دبي تجاهلت تحذيرًا محددًا، أو أن جهة ما كانت على علم بخطة الهجوم ولم تتخذ إجراءً. لكن تباين المعلومات المعلنة يطرح سؤالًا جوهريًا حول كيفية التحقق من الخلفيات الأمنية والمهنية للطيارين، ومدى قدرة أنظمة الفحص على رصد مؤشرات لا تظهر بالضرورة في السجلات الوظيفية المعتادة.
ما الذي لا يزال مجهولًا؟
تكشف القضية حتى الآن عن ثلاثة مسارات مترابطة: المؤشرات التي تقول السلطات إنها ظهرت خلال سنوات دراسة الهمامي في أستراليا، والاستعداد المسبق الذي تنسبه إليه التحقيقات، والإجراءات التي سمحت له بالعمل مساعد طيار على رحلة متجهة إلى إسرائيل.
لكن الصورة لم تكتمل بعد. فما زال التحقق من احتمال وجود شركاء، وتبادل المعلومات بين الجهات المعنية، ومدى دقة التقارير المتعلقة بخلفيته السابقة، جزءًا من الأسئلة التي لا يمكن حسمها اعتمادًا على الإعلانات الأولية وحدها.
وبين استلهام هجمات 11 سبتمبر ومحاولة السيطرة على طائرة مدنية، تضع قضية فلاي دبي أمن الطيران أمام سؤال يتجاوز الواقعة نفسها: كيف يمكن اكتشاف مؤشرات الخطر قبل وصولها إلى قمرة القيادة، من دون تحويل الاشتباه أو الخلفيات الشخصية إلى دليل إدانة، ومن دون إصدار أحكام على مؤسسات أو جهات قبل اكتمال التحقيق؟
الإجابة ستتوقف على ما تكشفه التحقيقات الرسمية والأدلة التي يمكن التحقق منها، لا على حجم الاتهامات وحده.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *