
لم يكن نموذج أعمال شركة “تراي كولور هولدينغز” المتخصصة في قروض السيارات مستقراً منذ البداية. إذ كانت الشركة، التي تتخذ من إيرفينغ بولاية تكساس مقراً لها، تتخصص في قروض السيارات عالية المخاطر، أي إقراض أشخاص لا يُرجح تسديدهم لقروضهم، وفق تقرير وكالة بلومبيرغ.
وعند تصفح موقع “تراي كولور” بعد أكثر من شهر على انهيارها العلني، يظهر شعار الشركة: “هل سجلك الائتماني سيئ؟ لا تقلق!”، في ترويج مباشر للعملاء ذوي السجل الائتماني الضعيف.
روّجت الشركة لنفسها بشكل مكثف بين المهاجرين غير المسجلين، حتى في ظل وعود الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بتنفيذ “أكبر عملية ترحيل في تاريخ أميركا”. وكشف تحقيق نُشر عام 2022 أن الشركة كانت تبيع سيارات بها عيوب وتفرض أسعارًا أعلى من السوق، ما أثار غضب عملائها وشعورهم بالخداع.
رغم استراتيجية الأعمال المتعثرة، حصلت بنوك كبرى مثل “جيه بي مورغان تشيس آند كو” و”باركليز” على حصة كبيرة من التمويل للشركة، حيث أقروا مئات الملايين من الدولارات، لكن ظهور أدلة على استخدام نفس السيارات كضمان لقروض متعددة – ممارسة تعرف باسم “الرهن المزدوج” – أثار التساؤلات حول مدى استرداد هذه البنوك لأموالها.
لكن الخطر لم يقتصر على “تراي كولور”. بعد انهيار الشركة بفترة وجيزة، أعلنت مجموعة “فيرست براندز” (First Brands Group)، مورد قطع غيار السيارات، إفلاسها بسبب اعتمادها على قروض قصيرة الأجل غير مدرجة في ميزانيتها العمومية.
كما كشف مصرفا “زايونس بانكورب” و”ويسترن ألاينس بانكورب” الإقليميان عن تعرضهما لعمليات احتيال مزعومة من دائنين، ما أدى إلى انخفاض مفاجئ في أسهمهما. في اليوم نفسه، وُجهت تهم الاحتيال والتآمر ضد المؤسس المشارك لشركة الاستثمار “777 بارتنرز” في ميامي، بسبب ممارسة “التعهد المزدوج بالقروض”.
ووصف جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك “جيه بي مورغان”، هذه الظاهرة خلال مكالمة أرباح الربع الثالث، قائلًا: “ربما لا ينبغي لي أن أقول هذا، ولكن عندما ترى صرصارًا واحدًا، فقد يكون هناك المزيد”. وأثار هذا التصريح موجة من القلق في وول ستريت بشأن احتمالية انهيار سوق الائتمان الخاص.
وعلى الرغم من انخفاض تكاليف الاقتراض وارتفاع العوائد، إلا أن بعض المحللين يشيرون إلى وجود مخاطر خفية في سوق الائتمان الخاص، خاصة في ظل ممارسات مثل “الدفع العيني”، حيث تؤجل الشركات سداد الفوائد لصالح زيادة رأس مال القرض، وحالات تقييم القروض بشكل متباين.
ويشير المحلل المخضرم إدوارد ألتمان إلى أن هذه المؤشرات تعكس ضغوطًا حقيقية على الشركات المقترضة، فيما تساءلت الأستاذة إليزابيث دي فونتيناي عن مدى شفافية المقرضين في تقديم معلومات دقيقة عن القيم العادلة للقروض.
بعد الأزمة المالية 2008، فرض الكونغرس قيودًا على البنوك الكبرى لتقليل المخاطر، ما أدى إلى توسع شبكة المقرضين الخاصة ونظام الخدمات المصرفية الموازية، بما في ذلك المؤسسات المالية غير الإيداعية وشركات الائتمان الخاص، ما يزيد من تعقيد مراقبة السوق ويطرح تساؤلات حول الاستقرار المالي المستقبلي.
إن انهيار “تراي كولور” وما تبعه من إفلاسات وحوادث احتيال يسلط الضوء على الفوضى الكامنة في سوق الائتمان الخاص الأمريكي، ويطرح تساؤلات حقيقية حول المخاطر الخفية التي قد تؤثر على النظام المالي بأكمله.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *