
يشهد الاقتصاد السوري مرحلة جديدة من التحول بعد سنوات طويلة من الركود والتحديات المتراكمة. وفي خطوة لافتة، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية أن البلاد تُسجل نمواً اقتصادياً أسرع بكثير من تقديرات البنك الدولي التي توقّعت نمواً لا يتجاوز 1% خلال عام 2025. هذه التصريحات جاءت خلال مشاركته عبر رابط فيديو في مؤتمر رويترز نكست في نيويورك، وسط موجة اهتمام عالمي بالوضع الاقتصادي السوري.
وتشير المؤشرات الأولية إلى تحسن ملحوظ في سعر صرف الليرة السورية وانخفاض نسبي في مستويات التضخم، وهي عوامل تدعم التفاؤل الرسمي بشأن إمكانية استعادة جزء من النشاط الاقتصادي المفقود خلال سنوات الأزمة.
عودة 1.5 مليون لاجئ… وتأثير مباشر على النشاط الاقتصادي
كشف حصرية أن عودة نحو مليون ونصف لاجئ إلى سوريا كان لها أثر مباشر في تنشيط الطلب المحلي، وزيادة القوة الشرائية، وتحريك قطاعات العمل والإنتاج والخدمات.
ورغم اعترافه بغياب بيانات اقتصادية دقيقة وموثوقة في المرحلة الحالية، إلا أنه أشار إلى أن المؤشرات الأولية توضح أن النمو الحقيقي أعلى بكثير مما يظهر في تقديرات المنظمات الدولية.
هذه العودة تُعد واحدة من أبرز العوامل الدافعة لتحرك الاقتصاد، إذ تسهم في رفع الإنتاجية وتحريك قطاع الإنشاءات والخدمات، إضافة إلى زيادة الطلب على السلع الأساسية.
تخفيف العقوبات… وتأثير محتمل على القطاع المالي
في تطور لافت، وصف حاكم المصرف المركزي قرار وزارة الخزانة الأميركية بتعليق بعض بنود عقوبات قيصر لمدة 180 يوماً بأنه “معجزة اقتصادية”، مؤكداً أن رفع العقوبات بالكامل قد يتم قبل نهاية عام 2025 وفق ما خلُصت إليه المناقشات مع مشرّعين أميركيين.
ويعتبر رفع العقوبات عاملاً أساسياً لاستعادة العلاقات مع بنوك المراسلة العالمية التي تمثل العمود الفقري للحركة المالية الدولية. وذكر حصرية أن إعادة فتح القنوات المصرفية مع الخارج ستسمح بدخول استثمارات وتحويلات مباشرة، ما يدعم السيولة ويقلل من الاعتماد على التمويل الداخلي.
إطلاق عملة سورية جديدة بحذف صفرين: خطوة مالية مفصلية
من أبرز الإعلانات التي كشف عنها حصرية هو استعداد سوريا لإطلاق عملة جديدة مكوّنة من ثماني فئات ورقية، مع حذف صفرين من العملة الحالية.
تهدف هذه الخطوة إلى:
- تحسين بيئة التعامل النقدي
- تعزيز الثقة بالليرة السورية
- تسهيل العمليات المالية اليومية
- دعم استقرار الأسعار
فتح الطريق أمام إصلاحات اقتصادية أوسع
كما أكد أن العملة الجديدة ستكون رمزاً لمرحلة “تحرر مالي”، خصوصاً بعد الإعلان عن إنهاء سبعة عقود من تمويل المصرف المركزي لعجز الموازنة الحكومية.
شراكات دولية مع فيزا وماستركارد… وبناء نظام دفع رقمي حديث
كشف حصرية عن توقيع اتفاقية جديدة مع مؤسسة فيزا العالمية لتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني في سوريا، مع الإعداد لجلسات إضافية تهدف لعودة ماستركارد أيضًا.
هذه الخطوة تهدف إلى:
- تحديث البنية التحتية المالية
- تمكين الدفع الرقمي
- دعم التجارة الإلكترونية
- زيادة الشفافية المالية
جذب المستثمرين العالميين
وبحسب حصرية، تسعى سوريا لإنشاء نظام دفع متكامل يربط المصارف المحلية بشبكات عالمية، بما ينسجم مع رؤيتها لتصبح مركزاً مالياً لمنطقة بلاد الشام خلال السنوات المقبلة.
توقعات مستقبلية: من الركود إلى التعافي التدريجي
رغم الظروف الصعبة التي تعرض لها الاقتصاد السوري على مدى 14 عاماً، فإن التحركات الأخيرة تشير إلى رغبة جادة في إعادة بناء القطاع المالي والاقتصادي على قواعد متينة. ويجمع الخبراء على أن:
- رفع العقوبات
- استعادة الثقة بالليرة
- تحديث النظام المصرفي
- تحسين بيئة الاستثمار
- وتطوير الدفع الإلكتروني
هي عوامل ستلعب دوراً حاسماً في رسم مسار الاقتصاد السوري في السنوات القادمة.
ويبدو أن المرحلة المقبلة تحمل تغيرات جوهرية على مستوى العملة والسياسة المالية والتعاون المصرفي الدولي، مما قد يضع سوريا على مسار تعافٍ تدريجي قد يستمر لسنوات لكنه أكثر استقراراً من السابق.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *