
لا يأتي التحرّك الكويتي الأخير مع الصين في إطار مشروع بنية تحتية تقليدي، بل يعكس توجّهًا استراتيجيًا أوسع لإعادة تموضع الكويت داخل معادلة التجارة الإقليمية. فمن جزيرة بوبيان، تتقدّم الكويت بخطوة محسوبة قد تُعيد رسم خريطة الموانئ واللوجستيات في غرب آسيا، في لحظة إقليمية تتسارع فيها المنافسة على طرق العبور والتجارة.
في هذا السياق، أعلنت وزيرة الأشغال العامة الكويتية نورة المشعان، في 18 ديسمبر/كانون الأول، أن الكويت ستوقّع خلال الأسبوع المقبل عقدًا مع شركة الاتصالات الصينية للإنشاءات لاستكمال مشروع ميناء مبارك الكبير، أحد أضخم المشاريع الاستراتيجية في البلاد.
وبحسب وثيقة حكومية اطّلعت عليها وكالة رويترز، تُقدّر قيمة العقد بنحو 3.97 مليار دولار، في حين وافق الجهاز المركزي للمناقصات العامة مطلع ديسمبر على إبرام العقد بين وزارة الأشغال العامة وشركة سي سي سي للهندسة والمشتريات والإنشاءات لتنفيذ المرحلة الأولى من المشروع، وفق ما ورد في الجريدة الرسمية.
وأكدت الوزيرة أن رئيس مجلس الوزراء الكويتي سيحضر مراسم توقيع العقد مع الجانب الصيني، في إشارة إلى الأهمية السياسية والاقتصادية التي توليها الكويت لهذا المشروع.
البعد الاستراتيجي للميناء
يقع ميناء مبارك الكبير في جزيرة بوبيان شمال الكويت، ويُنظر إليه كمشروع محوري يهدف إلى إنشاء ممر تجاري إقليمي آمن وتحويل الكويت إلى مركز لوجستي متقدّم في غرب آسيا. وقد سعت الصين إلى إدراج المشروع ضمن مبادرة الحزام والطريق، ما يعكس تقاطع المصالح بين الطرفين في ملف الربط التجاري العابر للحدود.
وترى الحكومة الكويتية أن الميناء يشكّل ركيزة أساسية لدعم التنويع الاقتصادي، وتعزيز الناتج المحلي الإجمالي، واستعادة الدور التجاري والمالي للكويت إقليميًا، مشيرة إلى أن نحو 50% من المرحلة الأولى قد أُنجزت حتى الآن.
شراكة أوسع من مجرد ميناء
لا يندرج مشروع ميناء مبارك الكبير بمعزل عن سياق أوسع من التعاون الكويتي–الصيني، إذ يشكّل جزءًا من حزمة مشاريع كبرى تشمل البنية التحتية والطاقة والخدمات البيئية والتنمية الحضرية، في ظل توسّع حضور الشركات الصينية في مشاريع استراتيجية داخل الكويت.
وكان التعاون بين البلدين قد شهد دفعة قوية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد توقيع عدة مذكرات تفاهم خلال زيارة ولي العهد آنذاك الشيخ مشعل الأحمد الصباح إلى بكين عام 2023، والتي وُصفت حينها بأنها محطة مفصلية في مسار العلاقات الاقتصادية طويلة الأمد.
سياق إقليمي أوسع
يأتي هذا التحرك الكويتي في وقت تعزز فيه الصين حضورها الاقتصادي في غرب آسيا، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، حيث أعلنت بكين استعدادها لتوسيع شراكاتها في مجالات الطاقة والبنية التحتية والصناعات الناشئة، في إطار رؤية أشمل مرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.
ويعكس ذلك تحوّلًا تدريجيًا في خريطة الشراكات الاقتصادية بالمنطقة، حيث لم تعد المشاريع اللوجستية مجرد استثمارات، بل أدوات لإعادة تشكيل النفوذ ومسارات التجارة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *