
واصلت أسعار الذهب اندفاعها القوي نحو مستويات تاريخية جديدة، متجاوزة حاجز 5100 دولار للأوقية للمرة الأولى على الإطلاق، في مؤشر واضح على تصاعد إقبال المستثمرين والبنوك المركزية على أصول الملاذ الآمن، في ظل بيئة عالمية تتسم بقدر عالٍ من عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي وتقلبات الأسواق المرتبطة بالسياسات الأمريكية.
فقد ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 2.2% ليبلغ 5093.96 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 08:41 بتوقيت غرينتش، بعد أن لامس في وقت سابق من جلسة اليوم مستوى قياسياً عند 5110.50 دولارات. كما صعدت العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم فبراير/شباط بالنسبة نفسها تقريباً إلى 5090.40 دولارات للأوقية.
ويأتي هذا الصعود امتداداً لمسار تصاعدي قوي شهده المعدن النفيس خلال العام الماضي، إذ قفزت أسعاره بنحو 64% في 2025، مسجلاً أكبر مكاسب سنوية منذ عام 1979، مدعوماً بمزيج من العوامل التي تشمل الطلب المكثف على الملاذات الآمنة، وتيسير السياسة النقدية الأمريكية، والزيادة المستمرة في مشتريات البنوك المركزية، إضافة إلى تدفقات قياسية نحو صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب.
اقرأ أيضًا: آخر أخبار الاقتصاد حول العالم
ومنذ بداية العام الجاري وحده، ارتفعت أسعار الذهب بما يقارب 18%، في إشارة إلى استمرار الزخم الصعودي وتنامي القناعة لدى المستثمرين بأن المعدن الأصفر يمثل أحد أبرز أدوات التحوط في مواجهة المخاطر.
ويرى أولي هانسن، رئيس قسم استراتيجيات السلع في ساكسو بنك، أن حالة الضبابية الواسعة التي تفرضها سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمثل المحرك الرئيسي لموجة الصعود الحالية، موضحاً أن الأسواق تشهد نمطاً من الاستثمار القائم على الخوف من تفويت الفرصة، في ظل التوترات التجارية والرسائل المتناقضة بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية الدولية.
وفي أحدث حلقات هذا التصعيد، أعلن ترامب يوم السبت عزمه فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على كندا إذا مضت قدماً في إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، وهو ما أعاد إلى الواجهة مخاوف من اندلاع جولات جديدة من الحروب التجارية وتداعياتها على النمو العالمي.
بالتوازي مع ذلك، سجل الين الياباني أعلى مستوى له في شهرين أمام الدولار، مدفوعاً بتزايد التكهنات حول احتمال تدخل مشترك بين الولايات المتحدة واليابان لدعم العملة اليابانية. كما اتجه المستثمرون إلى تقليص حيازاتهم من الدولار قبيل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع، وفي ظل ترقب محتمل للإعلان عن رئيس جديد للبنك المركزي الأمريكي.
وتراجع مؤشر الدولار إلى أدنى مستوى له في أربعة أشهر، الأمر الذي عزز جاذبية المعادن المقومة بالعملة الأمريكية بالنسبة للمشترين من خارج الولايات المتحدة، وعلى رأسها الذهب.
ويجمع محللون على أن آفاق المعدن النفيس لا تزال تميل إلى الإيجابية خلال العام الحالي، مع إمكانية استهداف مستويات قد تصل إلى 6000 دولار للأوقية، إذا استمرت التوترات العالمية وتصاعدت مخاوف المستثمرين بشأن استقرار النظام المالي العالمي وقيمة العملات الرئيسية.
وفي هذا السياق، قال ألكسندر زومبفه، المتعامل في المعادن النفيسة لدى شركة هيريوس ميتالز الألمانية، إن احتمالات تسجيل مزيد من الارتفاعات لا يمكن استبعادها، لا سيما في سيناريوهات تتعرض فيها الثقة بالعملات أو الأصول المالية لمزيد من الضغوط، محذراً في الوقت نفسه من أن هذه التحركات الصعودية قد تتخللها فترات من التصحيح الحاد بفعل جني الأرباح وتقلبات السيولة.
ويعكس الأداء الحالي للذهب تحوّلاً أوسع في سلوك المستثمرين عالمياً، حيث يتزايد الاعتماد على الأصول الملموسة كوسيلة للتحوط من المخاطر الاقتصادية والسياسية، في مرحلة تبدو فيها ملامح الاستقرار العالمي أكثر هشاشة من أي وقت مضى.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *