
لأول مرة في التاريخ الحديث، تجاوز سعر الذهب حاجز 5300 دولار للأوقية، في موجة صعود استثنائية دفعت المستثمرين نحو المعدن النفيس باعتباره ملاذًا آمنًا في خضم حالة عدم اليقين العالمية. ويأتي هذا الارتفاع القياسي في ظل تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية والسياسات المتقلبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما أعاد تشكيل أولويات الأسواق المالية العالمية وعزز الطلب على الذهب كأداة للتحوط ضد المخاطر.
يشير الخبراء إلى أن الذهب، الذي يُنظر إليه تقليديًا كمؤشر على القلق الاقتصادي والجيوسياسي، صعد بنسبة 15% منذ بداية عام 2026، مضيفًا إلى مكاسب قياسية حققها خلال 2025 بلغت نحو 65%، وهو أكبر ارتفاع سنوي منذ أواخر السبعينيات.
الاضطرابات الجيوسياسية والسياسات الأمريكية
على مدى الأشهر الأخيرة، أثارت سلسلة قرارات ترامب السياسية غير المتوقعة حالة من عدم الاستقرار في الأسواق. شملت هذه التحركات:
- العملية العسكرية في فنزويلا التي أدت إلى اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو.
- تهديدات باتخاذ إجراءات ضد إيران على خلفية احتجاجات داخلية واسعة النطاق.
- تصعيد التوترات مع الحلفاء الأوروبيين وكندا بشأن التجارة وشراء جزيرة غرينلاند، إضافة إلى تهديدات فرض رسوم جمركية مشددة.
اقرأ أيضا: الذهب يقفز في مصر إلى مستويات قياسية منذ بداية 2026
كما زادت الأحداث الداخلية الأمريكية من حالة عدم اليقين، إذ شهدت البلاد:
- تجدد انتقادات ترامب لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول.
- فتح تحقيق جنائي غير مسبوق بحق باول، مما أثار تساؤلات حول استقلالية البنك المركزي.
- تهديد الكونغرس بعرقلة تمويل الحكومة، بما يزيد من مخاطر الإغلاق الحكومي.
السياسة النقدية وتراجع الدولار
تراجع الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوى في نحو أربع سنوات عزز من جاذبية الذهب للمستثمرين الدوليين، حيث أصبح المعدن النفيس أرخص نسبيًا بالعملات الأخرى. وفي الوقت نفسه، أشارت التوقعات إلى احتمال خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة، مما قلل من جاذبية العوائد البديلة وزاد من التدفق نحو الذهب كأداة آمنة لحفظ القيمة.
دور البنوك المركزية والمستثمرين
ساهمت مشتريات البنوك المركزية بشكل كبير في دفع أسعار الذهب، حيث زادت العديد منها احتياطياتها بوتيرة غير مسبوقة، لتتجاوز نسبة الذهب 25% من إجمالي الاحتياطيات، وهو أعلى مستوى منذ نحو ثلاثة عقود. تصدرت بولندا وكازاخستان وأذربيجان والصين قائمة الدول الأكثر شراءً، مع استمرار الصين في سياسة الشراء للشهر الرابع عشر على التوالي حتى ديسمبر 2025.
إلى جانب الطلب المؤسسي، شهدت أدوات الاستثمار الخاصة بالذهب تدفقات مالية قياسية، ما يعكس رغبة قوية للتحوط ضد المخاطر في ظل أزمة الثقة بالأصول التقليدية. وفقًا لبعض الخبراء، أدت سياسات ترامب إلى “قطيعة دائمة مع الأعراف السابقة”، حيث أصبح الذهب الملاذ الأول للمستثمرين في عالم مليء بعدم اليقين.
التوقعات المستقبلية
رغم تجاوز الذهب حاجز 5300 دولار للأوقية، يشير المحللون إلى احتمال استمرار الصعود، مع توقعات بوصول السعر إلى نحو 6000 دولار للأوقية في حال استمرار حالة عدم الاستقرار العالمي وارتفاع الطلب الاستثماري. وبالرغم من احتمالات التصحيح القصيرة المدى، فإن أي تراجعات ستكون محدودة وسريعة، حيث تستمر موجات الشراء الجديدة بدعم من المستثمرين والمخاطر الجيوسياسية.
في المجمل، طالما استمر الضباب السياسي والاقتصادي في العالم، سيظل الذهب وجهة استثمارية آمنة، وأداة فعالة لتنويع المخاطر في أوقات الاضطراب.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *