
في صباحٍ هادئ على رصيف ميناء حلق الوادي، لم تكن السفن القادمة كغيرها. فمع وصول أول شحنة من حافلات “غولدن دراغون” الصينية، بدأت تتشكّل ملامح تحوّل استراتيجي في قطاع النقل العمومي التونسي، تحوّل لا يقتصر على أرقام الصفقة فقط، بل يمتد إلى إعادة رسم خريطة الشراكات الاقتصادية لتونس في شمال إفريقيا.
فما قصة هذه الصفقة؟ ولماذا اختارت تونس الصين هذه المرة؟
وصلت، السبت، أول شحنة من صفقة حكومية كبرى تشمل 461 حافلة نقل عمومي من إنتاج الشركة الصينية “غولدن دراغون” إلى ميناء حلق الوادي في تونس، في ما يُعد أكبر طلب حكومي لمركبات النقل العام في تاريخ البلاد.
وضمّت الدفعة الأولى 134 حافلة، سيتم توجيه أغلبها إلى الولايات الداخلية التي تعاني نقصًا حادًا في أسطول النقل العمومي، على أن تتواصل عمليات الشحن خلال الأشهر المقبلة لاستكمال بقية الكمية المتفق عليها.
صفقة تتجاوز النقل… وتلامس السياسة الاقتصادية
تُقدَّر قيمة الصفقة بـ176 مليون دينار تونسي (نحو 62 مليون دولار أمريكي)، وكانت في مرحلتها الأولى تشمل 418 حافلة فقط، قبل أن تقرر الحكومة التونسية الترفيع في العدد النهائي إلى 461 حافلة، في خطوة تعكس حجم الأزمة التي يعيشها قطاع النقل منذ أكثر من عقد.
وبحسب الشركة الصينية، تُعد هذه الصفقة:
- الأكبر في تاريخ تونس
- وأول اختراق حقيقي لـ“غولدن دراغون” في سوق شمال إفريقيا
الصين تحلّ محل أوروبا؟
تمثل هذه الصفقة ثاني تعاون حكومي تونسي مع شركات صينية في قطاع النقل، بعد صفقة سابقة أُبرمت عام 2024 مع شركة “كينغ لونغ” لتوريد 300 حافلة.
ويعكس هذا التوجه تحولًا لافتًا في السياسة العمومية التونسية، التي اعتمدت لعقود على شركات أوروبية سواء لشراء حافلات جديدة أو مستعملة، قبل أن تدفع:
- الأزمة المالية العمومية
- وارتفاع كلفة التوريد الأوروبية
- وتباطؤ التسليم
نحو البحث عن بدائل أكثر مرونة وتكلفة أقل.
أرقام صينية قياسية
تأتي الصفقة التونسية في وقت تسجّل فيه “غولدن دراغون” أداءً قياسيًا، إذ تشير بيانات الشركة إلى أنها:
- صدّرت خلال عام 2025 أكثر من 9,200 حافلة
- بقيمة صادرات تجاوزت 3.45 مليار يوان صيني
- بنمو سنوي قدره 16%
ما يعزّز مكانة الشركات الصينية كلاعب رئيسي في أسواق النقل العام عالميًا.
ما بعد الحافلات: المترو الخفيف في الأفق
ولا تقتصر خطط تونس على الحافلات فقط، إذ تعمل الحكومة أيضًا على إعداد برامج لاقتناء عربات جديدة للمترو الخفيف في العاصمة، حيث يعمل جزء كبير من الأسطول الحالي منذ أكثر من أربعين عامًا، ما يجعله خارج المعايير التقنية الحديثة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *