
في كل عام، تكشف منظمة الشفافية الدولية عن واقع جديد حول مستوى الفساد في العالم، و2025 لم يكن استثناءً. نشر الثلاثاء، مؤشر مدركات الفساد (CPI) للعام الحالي أظهر صورة مثيرة للقلق: تراجع ملحوظ في عدد الدول التي حققت درجات عالية على سلم النزاهة، حيث تقلص عددها من 12 دولة قبل عقد من الزمن إلى خمس دول عربية فقط تجاوزت 50٪، وهي: قطر، السعودية، سلطنة عمان، البحرين، والأردن.
هذه النتائج لا تعكس فقط جهود الدول في مكافحة الفساد، بل تكشف أيضاً عن هشاشة القيادة والسياسات العامة، وانخفاض متوسط النزاهة على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 39 من 100، فيما بلغ متوسط الدول العربية 34 فقط. الغالبية العظمى من الدول لم تتمكن من السيطرة على الفساد، إذ سجلت ثلاث عشرة دولة عربية درجات أقل من 50٪، بينها الكويت، المغرب، تونس، الجزائر، مصر، العراق، لبنان، سوريا، السودان، ليبيا، اليمن، والصومال.
وبينما تتصدر دول مثل الدنمارك وفنلندا وسنغافورة مؤشرات النزاهة عالميًا، فإن دولاً أخرى تواجه انهيارًا مؤسسيًا وغياب حكم القانون، مثل جنوب السودان والصومال وفنزويلا. على الصعيد العربي، يبرز التحدي الأكبر في غياب القيادة الجريئة، وضعف مؤسسات الرقابة، وتنامي شبكات المحسوبية التي تسمح بتحويل الأموال الفاسدة عبر الحدود، ما يزيد صعوبة مكافحة الفساد داخليًا وخارجيًا على حد سواء.
كما يسلط التقرير الضوء على الأثر المباشر لتراجع الحرية المدنية وقيود التعبير على جهود مكافحة الفساد. فقد شهد العقد الماضي تصاعد القيود على منظمات المجتمع المدني والصحفيين المستقلين في بلدان عديدة، مما أضعف دورهم في كشف الفساد والتدقيق في الأداء الحكومي. ويذكر التقرير أن أكثر من 150 صحفيًا فقدوا حياتهم منذ عام 2012 أثناء تغطيتهم قضايا فساد، فيما استهدف الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 230 صحفيًا فلسطينيًا كشفوا فساداً ومخالفات في غزة.
وتظل فلسطين خارج المؤشر لأسباب موضوعية، رغم تبني الحكومة الفلسطينية استراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد. إلا أن ضعف منظومة المساءلة وغياب المجلس التشريعي واستمرار الاحتلال أسهمت في تراجع مستوى النزاهة، واستمرار الممارسات التي تتيح للأشخاص المتنفذين الاستفادة المالية من خدمات عامة أو التجارة على حساب المواطن.
في الوقت الذي يشهد فيه العالم احتجاجات جيل Z ضد الفساد، يؤكد تقرير منظمة الشفافية الدولية أن الغياب المستمر للقيادة الفاعلة، وتراجع الإنفاذ، وقيود الحيز المدني، كلها عوامل تزيد من صعوبة إحراز تقدم ملموس نحو مجتمع نزيه وشفاف.
الرسالة واضحة: مكافحة الفساد ليست مجرد أرقام على مؤشر عالمي، بل هي اختبار حقيقي لنزاهة القيادات وقدرتها على حماية المجتمع من الاستغلال والمحسوبية واستعادة الثقة بين الدولة والمواطنين.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *