الرئيسية/الشرق الأوسط/هل تطوي واشنطن صفحة موسكو في سوريا؟
الشرق الأوسط

هل تطوي واشنطن صفحة موسكو في سوريا؟

تحركات روسية قرب قاعدة حميميم الجوية تعكس تمسك موسكو بموطئ قدمها في المتوسط
📸تحركات روسية قرب قاعدة حميميم الجوية تعكس تمسك موسكو بموطئ قدمها في المتوسط
اليوم ميديا

في لحظات التحولات الكبرى في التاريخ، لا تُقاس الأحداث فقط بما سقط من أنظمة، بل بما يُعاد تشكيله في الظل. هكذا تنظر الولايات المتحدة إلى المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد، باعتباره فرصة نادرة لإعادة رسم ميزان القوى في شرق المتوسط، لا مجرد تغيير سياسي داخل دولة أنهكتها الحرب.

تعتقد دوائر القرار في واشنطن أن ما جرى في سوريا فتح نافذة تاريخية لإنهاء النفوذ العسكري الذي رسخته روسيا منذ تدخلها العسكري عام 2015، حين تحولت القواعد الروسية على الساحل إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تمنح موسكو حضورًا دائمًا في المياه الدافئة للمتوسط. أما اليوم، ومع صعود قيادة سورية جديدة تحاول إعادة تعريف موقع البلاد بين الشرق والغرب، فقد بدأ السؤال الذي تأجل طويلًا يفرض نفسه في واشنطن: هل ما زال هذا الوجود جزءًا من المعادلة السورية الجديدة؟

زيارة الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع إلى البيت الأبيض، ثم انضمام دمشق رسميًا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش في أواخر عام 2025، بدت لواشنطن إشارات سياسية تتجاوز التعاون الأمني إلى محاولة إعادة التموضع الاستراتيجي. هذا التقارب، إلى جانب انفتاح دمشق على مسارات تفاوض إقليمية حساسة، شجع تيارًا داخل الكونغرس الأمريكي على الدعوة لاستثمار اللحظة بالكامل، عبر الانتقال من سياسة العقوبات الطويلة إلى سياسة الحوافز المشروطة، بما يدعم فك الارتباط التدريجي مع موسكو.

لكن هذه الاندفاعة لا تُقرأ داخل واشنطن بوصفها إجماعًا سياسيًا. فوفق شهادات دبلوماسيين وخبراء، فإن جلسات الاستماع التي ناقشت مستقبل الوجود الروسي تعكس توجهات أعضاء بعينهم أكثر مما تعكس تحولًا رسميًا في استراتيجية الإدارة الأمريكية. بعض هؤلاء النواب عُرفوا تاريخيًا بمواقفهم الصارمة تجاه موسكو وطهران، ما يجعل طرحهم للملف استمرارًا لنهجهم السياسي لا إعلانًا عن سياسة جديدة مكتملة الأركان.

المفارقة أن سقوط الأسد لم يكن، كما توقع كثيرون، ضربة قاضية لروسيا. فموسكو، وفق روايات متقاطعة، اختارت الانسحاب من المواجهة الحاسمة مع الحفاظ على قنوات اتصالها مع القيادة السورية الجديدة، بل إن تفاهمات غير معلنة سمحت لها بالاحتفاظ بوجودها العسكري، خاصة في قاعدة حميميم التي بقيت رمزًا لنفوذها العسكري في البلاد. وهكذا بدا أن الكرملين تخلى عن رأس النظام، لكنه لم يتخلَّ عن موقعه الجيوسياسي.

من هنا، بدأت في مراكز التفكير الأمريكية نقاشات أكثر تعقيدًا حول كيفية تفكيك شبكة الاعتماد التي نسجتها موسكو داخل مؤسسات الدولة السورية خلال سنوات الحرب. المقاربة المطروحة لا تقوم على مواجهة مباشرة، بل على استبدال تدريجي للبنية التقنية واللوجستية التي تربط دمشق بالمنظومات الروسية، بدءًا من التسليح وأنظمة الرادار وصولًا إلى سلاسل الإمداد الغذائي والطاقة، بحيث تصبح الحاجة إلى الخبراء الروس أقل فأقل مع مرور الوقت.

وفي هذا السياق، طُرحت فكرة إعادة بناء الجيش السوري وفق معايير حلف الناتو، عبر برامج تدريب وإعادة هيكلة قد تمر من خلال تركيا بوصفها عضوًا في الحلف، أو عبر شركات أمنية واستشارية تتولى إعادة تنظيم المؤسسات العسكرية والإدارية. الهدف المعلن هو تحويل العقيدة القتالية والهيكل التنظيمي إلى نموذج مختلف كليًا عن النموذج السوفييتي الذي حكم المؤسسة العسكرية السورية لعقود.

لكن المسار لا يقتصر على الجانب العسكري. فواشنطن تدرك أن إخراج موسكو من سوريا يتطلب إعادة صياغة التوازنات الإقليمية أيضًا، بما في ذلك البحث عن ترتيبات تضمن تقاطع المصالح بين أنقرة وإسرائيل، على قاعدة أن وجودًا إقليميًا مستقرًا قد يكون أقل كلفة أمنيًا من استمرار الحضور الروسي كلاعب عسكري مباشر على الساحل السوري.

اقتصاديًا، يجري الحديث عن إدخال استثمارات أمريكية وتركية وخليجية في مشاريع إنتاجية ومناطق صناعية، خصوصًا في الشمال السوري، بهدف خلق دورة نمو جديدة تستوعب العائدين من اللجوء وتربط الاقتصاد السوري بشبكات إقليمية وغربية بدل القنوات الروسية التقليدية. إنها محاولة لإعادة توجيه الجاذبية الاقتصادية للدولة، بحيث يصبح الانفصال عن موسكو نتيجة طبيعية لا قرارًا سياسيًا صادمًا.

مع ذلك، يدرك صناع القرار أن هذا المسار طويل ومعقد، وأن أي فراغ غير محسوب قد يمنح روسيا فرصة للعودة من نافذة أخرى، سواء عبر عقود أمنية أو تفاهمات محلية أو أزمات إقليمية تعيد خلط الأوراق. لذلك تتحدث بعض التحليلات عن أدوات ضغط متدرجة، تبدأ بعقوبات مالية موجهة نحو الشبكات المرتبطة بالبنية العسكرية الروسية، وتمتد إلى استخدام الاعتراف الدبلوماسي وملف إعادة الإعمار كورقة تفاوضية لإعادة تعريف الوجود العسكري الأجنبي تحت شعار “السيادة السورية”.

في النهاية، لا يبدو المشهد صراعًا مباشرًا بقدر ما هو سباق بطيء لإعادة تشكيل النفوذ. فواشنطن تحاول بناء بدائل، وموسكو تحاول الحفاظ على موطئ قدم، ودمشق تجد نفسها في قلب لعبة توازنات معقدة، تحاول من خلالها استعادة الدولة دون أن تتحول مجددًا إلى ساحة صراع مفتوح.

هكذا، وبين الحسابات العسكرية والرهانات الاقتصادية والرسائل الدبلوماسية، يتحدد مستقبل سوريا لا بسؤال من ربح الحرب، بل بمن سيكتب قواعد المرحلة التالية.

"
في لحظات التحولات الكبرى في التاريخ، لا تُقاس الأحداث فقط بما سقط من أنظمة، بل بما يُعاد تشكيله في الظل. هكذا تنظر الولايات المتحدة إلى المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد، باعتباره فرصة نادرة لإعادة رسم ميزان القوى في شرق المتوسط، لا مجرد تغيير سياسي داخل دولة أنهكتها الحرب. تعتقد دوائر القرار في واشنطن
— اليوم ميديا / الشرق الأوسط

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقاتلين حوثيين موالين لإيران وهم يهاجمون قوات مدعومة من السعودية في موقع ذكره المصدر بأنه محافظة الجوف في اليمن

الحوثيون يتقدمون نحو كهبوب.. وترامب يتراجع عن ضربات

تتحول مرتفعات كهبوب جنوب غربي اليمن إلى واحدة من أكثر نقاط الصراع حساسية، مع محاولة الحوثيين التقدم للسيطرة على المرتفعات التي تفصل الساحل الغربي عن مناطق تخضع للقوات الحكومية المدعومة من السعودية. وبحسب خمسة مصادر عسكرية يمنية تحدثت إلى رويترز، يسعى الحوثيون إلى السيطرة على جبال كهبوب الواقعة بين محافظتي تعز ولحج، في محاولة لتأمين

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
الدخان يتصاعد من مستودع أسلحة عقب انفجار وقع في الريف الجنوبي لحلب بسوريا

رابع انفجار في شهر.. ماذا يحدث بسوريا؟

هزّت سلسلة منالانفجارات مستودع أسلحة تابعًا للجيش في ريف حلب الجنوبي، فجر الاثنين، ما أسفر عن إصابة أربعة أشخاص ودفع سكان القرى القريبة إلى الفرار، في رابع حادث من هذا النوع تشهده سوريا خلال سبتمبر الجاري، وفقًا لرويترز. وقع الانفجار بالقرب من بلدة العيس في محافظة حلب، وسُمعت أصوات الانفجارات في البلدات المجاورة، فيما تصاعدت

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
أفراد من قوات الباسيج الإيرانية يحملن لافتة مناهضة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء المشاركة في عرض عسكري في طهران

إيران تلوّح بأسلحة وأهداف جديدة

لوّحت إيران بتغيير طبيعة ردها العسكري إذا شنت الولايات المتحدة هجومًا جديدًا عليها، في رسالة تتجاوز الحديث عن الرد على أهداف سبق استهدافها، إلى التلويح باستخدام أسلحة جديدة وتوسيع نطاق جغرافيا المواجهة. ونقلت وكالة «فارس» الإيرانية عن المتحدث باسم الحرس الثوري، حسين محبي، قوله إن طهران ستستخدم أسلحة جديدة وستستهدف مواقع لم تتعرض لهجمات سابقة

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
الدخان يتصاعد من منطقة تخزين الوقود في مطار الملك خالد الدولي بالرياض

إيران تهدد.. والحوثيون يصلون إلى الرياض.. إلى أين تتجه الحرب؟

تتسع خريطة التصعيد في الشرق الأوسط مع دخول السعودية في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، بالتزامن مع تبادل الولايات المتحدة وإيران تهديدات جديدة، فيما حذرت واشنطن من احتمال تصعيد غير متوقع في المنطقة. وقالت القيادة المركزية العسكرية الإيرانية، الأحد، إن أي هجوم أميركي جديد على إيران سيقابل برد قوي ومتواصل يستهدف القواعد والمصالح الأميركية، مضيفة أن

لندن - عمر فهد العلي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة