
في الوقت الذي كان يُفترض أن تستعد فيه للاحتفال بمرور ثمانين عامًا على تأسيسها بوصفها رمزًا للنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، تجد الأمم المتحدة نفسها أمام اختبار وجودي غير مسبوق؛ أزمة تمويل تتصاعد بسرعة، وتحذيرات علنية من أمينها العام أنطونيو غوتيريش بأن المنظمة قد تواجه “انهيارًا ماليًا وشيكًا” بحلول منتصف عام 2026. لم تعد المسألة مجرد عجز دوري في الميزانية كما حدث في أزمات سابقة، بل تحوّلت إلى خلل هيكلي يهدد قدرة المؤسسة على أداء وظائفها الأساسية، من حفظ السلام إلى إدارة البرامج الإنسانية والإغاثية حول العالم.
تراكمت هذه الأزمة عبر سلسلة من التحولات السياسية والمالية الدولية، كان أبرزها التراجع الحاد في مساهمات بعض الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تُعد تاريخيًا الممول الأكبر للمنظمة. فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، تصاعدت الانتقادات الحادة للمنظمة، وجرى التعامل مع تمويلها بوصفه ورقة ضغط سياسية لا التزامًا ثابتًا ضمن منظومة العمل متعدد الأطراف. تبع ذلك قرارات بمراجعة العلاقات مع عدد من الهيئات الدولية ووقف أو تقليص مساهمات بمليارات الدولارات، ما أحدث فجوة مالية مفاجئة داخل منظومة تعتمد في عملها أساسًا على الاشتراكات الإلزامية والطوعية للدول الأعضاء.
ولم تتوقف التداعيات عند حدود الأرقام، بل امتدت إلى طبيعة النظام الدولي نفسه؛ إذ بدأت تظهر دعوات لإعادة تشكيل العمل متعدد الأطراف عبر تحالفات أصغر أو ترتيبات بديلة خارج الإطار الأممي، وهو ما يهدد بتآكل الدور التنسيقي الذي اضطلعت به المنظمة لعقود طويلة. ومع تقلص الموارد، باتت عمليات حفظ السلام مهددة بالتقليص، والبرامج الإنسانية أمام صعوبات تشغيلية، في وقت يشهد العالم أصلًا ارتفاعًا غير مسبوق في النزاعات والكوارث وأزمات النزوح.
داخل أروقة المنظمة، يتحدث مسؤولون عن مرحلة “إعادة تعريف البقاء”، حيث لم يعد التحدي مرتبطًا فقط بسد عجز مالي، بل بإقناع الدول بأن النظام الدولي القائم على التعاون ما زال ضرورة، لا عبئًا يمكن الاستغناء عنه. فالأزمة الحالية تكشف هشاشة التوازن بين السياسة والتمويل، وتطرح سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كانت المؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية قادرة على التكيف مع عالم يتجه أكثر نحو التنافس القومي وأقل نحو العمل الجماعي.
ومع اقتراب الموعد الذي حذرت منه القيادة الأممية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستنجح الدول في إنقاذ المنظمة التي صاغت ملامح النظام العالمي الحديث، أم أن العالم يتجه بالفعل إلى مرحلة ما بعد الأمم المتحدة؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *