
في بادية مستريحة بولاية شمال دارفور غرب السودان، سقطت طائرات مسيّرة يُرجح أنها تابعة لمليشيا الدعم السريع، في مشهد يعكس تصاعد الخلافات بين الشيخ موسى هلال، زعيم قبيلة المحاميد، وعائلة دقلو، منذ مطلع العام الحالي. الهجوم الجوي الذي نجا منه هلال، وأُصيب خلاله ابنه، يمثل أبرز مظاهر التصعيد داخل البنية الاجتماعية الواسعة للمليشيا، ما قد يُضعف تماسكها الذي اعتمد طويلًا على ولاءات قادة العشائر ومقاتليها.
صراع قديم يتجدد
لم يكن الخلاف بين الدعم السريع وموسى هلال جديدًا، فقد انتهى مؤقتًا قبل اندلاع الحرب، لكنه تجدد بعد إعلان هلال، في 22 أبريل 2024، دعمه لمؤسسات الدولة والجيش ضد المليشيا، معتمداً على قوته القبلية ونفوذه التاريخي في دارفور. موسى هلال، الذي قاد سابقًا مليشيات الجنجويد خلال حملة قمع نظام الرئيس المعزول عمر البشير على حركات دارفور، أصبح شخصية محورية مؤثرة في توازن القوى المحلي، بعد أن أعاد بنائه نفوذه عبر العودة إلى بادية مستريحة، حيث تجمع حوله آلاف الأنصار من المحاميد.
تاريخ هلال مع الدعم السريع حافل بالصراع، فقد تعرض سابقًا لهجوم أثناء تلقيه العزاء في 2017، واعتُقل مع أبنائه ومساعديه، بينما سيطر قائد الدعم السريع عبد الرحيم دقلو على الذهب والمناطق الحيوية. ورغم الإفراج عنه لاحقًا عام 2021، بقي التوتر قائمًا، وتفاقم بعد مقتل مستشار الدعم السريع حامد علي أبوبكر، ما أدى إلى انسحاب قادة بارزين من المليشيا وانضمامهم لهلال.
ضربة قاصمة للمليشيا
انسحاب شخصيات بارزة مثل النور القبة وعلي رزق الله “السافنا” إلى بادية مستريحة، يمثل ضربة للشرعية الداخلية للمليشيا، ويضعف احتكار قيادة الدعم السريع للسلطة والولاءات القبلية التي بنت عليها قوتها. هذه الانقسامات لم تقتصر على المحاميد فقط، بل شملت مقاتلين من المسيرية في كردفان، ما أدى إلى تراجع قدرة الدعم السريع على الحشد والسيطرة الميدانية، وتآكل فعالية شبكات الإمداد القبلي، التي كانت أساس استراتيجيتها العسكرية.
انعكاسات الانقسامات على الحرب
تؤكد التحليلات العسكرية أن الانقسامات الداخلية قد تُحوّل الدعم السريع من كيان موحّد إلى مجموعات منفصلة، يفقد كل منها القدرة على التنسيق الفعال، ويصبح ابتعادها عن المليشيا خيارًا حتميًا لتأمين مصالحها. هذه التحولات البنيوية قد تعيد رسم ميزان القوى لصالح الجيش السوداني، وتضعف النفوذ العسكري والسياسي للمليشيا في دارفور وكردفان، مع تراجع الثقة بالقيادة المركزية وعجزها عن حماية مصالح المجتمعات القبلية التي أسست عليها.
مع استمرار هذه الانقسامات، يبدو أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة تشكيل جذري لهيكل الدعم السريع، من قوة مركزية إلى تحالف فضفاض من الفصائل المسلحة، يسعى كل طرف فيه لحماية نفوذه المحلي واستغلال موارد المليشيا حسب مصالحه، وهو ما قد يمثل بداية النهاية لمسارها الطويل في السيطرة على دارفور والمناطق الحدودية المحيطة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *