
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتكثف النقاشات داخل دوائر القرار في واشنطن حول كيفية التعامل مع إيران، مع تصاعد الحديث عن بدائل عسكرية وسيبرانية تُستخدم إذا تعثرت الدبلوماسية.
الأميرال المتقاعد جيمس ستافريديس، القائد الأسبق لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا، قدّم تصورًا تفصيليًا لثلاثة مسارات يمكن أن تعتمدها الولايات المتحدة، في تحليل نشرته وكالة بلومبيرغ، معتبرًا أن واشنطن تمتلك “طيفًا واسعًا من أدوات الضغط” يسمح لها بالتحرك تدريجيًا دون الذهاب مباشرة إلى الحرب الشاملة.
الطرح يعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، حيث لم يعد الخيار العسكري التقليدي هو البداية، بل المرحلة الأخيرة ضمن سلسلة من أدوات الردع والتأثير.
أولًا: حرب صامتة تُدار من خلف الشاشات
السيناريو الأقل صخبًا، لكنه الأكثر تعقيدًا، يتمثل في الهجمات السيبرانية والحرب الإلكترونية.
هذا المسار يركز على تعطيل الأنظمة العسكرية وشبكات الاتصالات والبنية التكنولوجية الحساسة، في محاولة لإضعاف القدرات الإيرانية دون مواجهة مباشرة.
خبراء الأمن يرون أن هذا النوع من العمليات أصبح ركيزة أساسية في الصراعات الحديثة، لأنه يحقق أهدافًا استراتيجية مع تقليل الخسائر البشرية والتكلفة السياسية.
ثانيًا: ضربات محدودة لإعادة رسم قواعد الردع
الخيار الذي يُوصف بأنه “الأكثر احتمالًا” يقوم على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف عسكرية محددة، بهدف إرسال رسالة قوة دون إشعال حرب مفتوحة.
هذا النموذج من العمليات يعتمد على السرعة والدقة، ويُستخدم عادة لإجبار الخصم على تعديل سلوكه أو العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة.
ثالثًا: مواجهة واسعة قد تغيّر توازن المنطقة
أما السيناريو الأكثر خطورة، فيتضمن حملة عسكرية ممتدة قد تستمر لأسابيع وتستهدف منشآت استراتيجية وبنى تحتية حساسة، وهو خيار يحمل مخاطر توسع النزاع إقليميًا.
مثل هذا التحرك قد يؤدي إلى اضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع التوتر الأمني في الخليج، ودخول أطراف متعددة على خط الأزمة.
سياق سياسي متوتر ورسائل متبادلة
تتقاطع هذه التقديرات مع تقارير نشرتها نيويورك تايمز تحدثت عن دراسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات عسكرية في حال فشل المسار التفاوضي.
في المقابل، حذّر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي من أن أي هجوم—even لو كان محدودًا—سيُقابل برد قوي، وذلك قبيل جولة محادثات مرتقبة في جنيف.
المشهد الحالي لا يشير بالضرورة إلى حرب وشيكة، لكنه يكشف عن مرحلة “تصعيد محسوب” تستخدم فيها التهديدات العسكرية كأداة تفاوض موازية للدبلوماسية.
الولايات المتحدة تسعى لفرض معادلة ردع جديدة، بينما تحاول إيران تجنب تقديم تنازلات تحت الضغط، ما يجعل المنطقة تعيش حالة ترقب استراتيجي مفتوح على كل الاحتمالات.
وفي ظل هذا التوازن الهش، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح سياسة الضغط المتدرج في فرض تسوية، أم أن تعدد السيناريوهات هو بحد ذاته مؤشر على اقتراب اختبار القوة؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *