الرئيسية/اقتصاد وأسواق/كيف يهدد إغلاق مضيق هرمز حركة الطيران في أوروبا؟
اقتصاد وأسواق

كيف يهدد إغلاق مضيق هرمز حركة الطيران في أوروبا؟

تحذيرات جوية أمريكية تحاصر شركات الطيران
📸تحذيرات جوية أمريكية تحاصر شركات الطيران
اليوم ميديا

في لحظة تبدو عابرة على خريطة العالم، يتحول ممر مائي ضيق إلى شريان حياة لقارة كاملة. هكذا هو حال مضيق هرمز اليوم، حيث لم يعد مجرد ممر لنقل النفط، بل أصبح عاملًا حاسمًا قد يحدد مصير موسم السفر الصيفي في أوروبا.

التحذير لم يأتِ من جهة عادية، بل من وكالة الطاقة الدولية، حين أشار مديرها التنفيذي فاتح بيرول إلى أن أوروبا قد لا تمتلك سوى “ستة أسابيع” من وقود الطائرات إذا استمر تعطّل الإمدادات. رقم يبدو صغيرًا، لكنه في عالم الطيران كافٍ لإحداث اضطراب واسع قد يمتد من مدرجات المطارات إلى خطط العطلات لملايين المسافرين.

فجوة خفية في قلب المنظومة

تعتمد أوروبا على معادلة غير متوازنة: استهلاك ضخم يقارب 1.6 مليون برميل يوميًا من وقود الطائرات، مقابل إنتاج محلي أقل بكثير. الفجوة تُسد عبر الاستيراد، ومعظم هذا الاستيراد يأتي من الشرق الأوسط مرورًا بمضيق هرمز.

المشكلة أن هذه المعادلة كانت مستقرة طالما ظل الممر مفتوحًا. لكن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتراجع حركة الناقلات بنسبة تصل إلى 80%، بدأت الحقيقة تظهر: أوروبا تعمل بهامش أمان ضيق للغاية.

الأخطر من ذلك أن القارة لا تمتلك مخزونًا استراتيجيًا مخصصًا لوقود الطائرات تحديدًا، بل تعتمد على احتياطي عام للمنتجات النفطية. وفي حالات الطوارئ، يكون الكيروسين من أول الضحايا.

لماذا الشمال الأوروبي هو الأكثر هشاشة؟

ليست كل الدول الأوروبية في القارب نفسه. فبينما تمتلك دول الجنوب مثل إسبانيا قدرات تكريرية جيدة، تبدو دول الشمال الغربي أكثر عرضة للخطر.

المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تستورد نحو 65% من احتياجاتها من وقود الطائرات، ما يجعل مطاراتها الكبرى مثل مطار هيثرو في دائرة الخطر المباشر.

الأمر نفسه ينطبق على مطار مطار شيفول ومطار مطار بروكسل، التي تعتمد على شبكة أنابيب واحدة لتزويدها بالوقود، وهي شبكة حلف شمال الأطلسي، حيث يمكن أن تُعطى الأولوية للاستخدام العسكري في أوقات الأزمات.

هذا الاعتماد على مصدر واحد وخط توزيع واحد يجعل أي خلل، مهما كان صغيرًا، قادرًا على تعطيل حركة الطيران بسرعة.

ماذا يعني ذلك للمسافرين؟

إذا استمر الضغط على الإمدادات، فإن التأثير لن يبقى في نطاق الأرقام والتقارير، بل سيصل مباشرة إلى المسافرين.

شركات الطيران بدأت بالفعل وضع سيناريوهات طوارئ. على سبيل المثال، أعلنت لوفتهانزا أنها قد تخفض عملياتها التشغيلية بنسبة تصل إلى 5%، مع احتمال إخراج عشرات الطائرات القديمة من الخدمة.

لكن التأثير الأكبر سيكون على تجربة السفر نفسها. قد تضطر الطائرات إلى حمل وقود إضافي من مطارات أخرى، ما يزيد الوزن ويقلل عدد المقاعد المتاحة. النتيجة؟ رحلات أقل، وتذاكر أغلى.

كما أن الوقود يشكل ما بين 25% و30% من تكلفة تشغيل الرحلات، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعاره سينعكس مباشرة على أسعار التذاكر، خاصة الرحلات الطويلة.

وفي أسوأ السيناريوهات، قد تلجأ الحكومات إلى تقنين الوقود، عبر إعطاء الأولوية للرحلات الأساسية أو الشحن الجوي، وهو ما قد يؤدي إلى إلغاء خطوط كاملة أو دمج رحلات.

موسم الصيف تحت الضغط

تأتي هذه الأزمة في توقيت حساس للغاية. فصل الصيف هو ذروة السفر في أوروبا، حيث ترتفع حركة الطيران إلى أقصى مستوياتها.

أي نقص في الوقود خلال هذه الفترة قد يؤدي إلى سلسلة من التأخيرات والإلغاءات، تبدأ من مطار واحد وتنتشر كأثر الدومينو عبر القارة. ومع اعتماد شمال أوروبا الكبير على واردات الخليج، فإن هذه المطارات ستكون الأكثر تأثرًا.

في المقابل، قد تستفيد مطارات الجنوب نسبيًا من قدراتها المحلية، ما يخلق خريطة طيران غير متوازنة داخل أوروبا نفسها.

كيف تحاول أوروبا تفادي الأسوأ؟

أمام هذا التحدي، تتحرك المفوضية الأوروبية على عدة مسارات في آن واحد.

أولًا، محاولة رفع إنتاج المصافي المحلية إلى أقصى طاقتها، رغم التحديات البيئية والاقتصادية. ثانيًا، البحث عن مصادر بديلة مثل الولايات المتحدة وأفريقيا والهند، لتعويض النقص القادم من الشرق الأوسط.

كما تدرس بروكسل خيارات أكثر مرونة، مثل استخدام أنواع مختلفة من الوقود في الرحلات القصيرة، وتسريع إدخال وقود الطائرات المستدام (SAF) إلى السوق.

لكن هذه الحلول، رغم أهميتها، تبقى مؤقتة أو محدودة التأثير في المدى القريب.

أزمة تكشف ما هو أعمق

ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي لنموذج الطاقة الأوروبي. فإغلاق المصافي خلال العقود الماضية، بهدف تقليل الانبعاثات وتحسين الكفاءة، جعل القارة أكثر اعتمادًا على الخارج.

ومع تزايد التوترات الجيوسياسية، أصبح هذا الاعتماد نقطة ضعف واضحة.

الأزمة الحالية تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: كيف يمكن لأوروبا أن توازن بين أهدافها البيئية واحتياجاتها الاستراتيجية؟

الإجابة لن تكون سهلة، لكن المؤكد أن مضيقًا بحريًا صغيرًا أعاد رسم حدود الأمان في واحدة من أكثر الصناعات حساسية في العالم.

وبينما يترقب المسافرون صيفهم المقبل، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تمر الأزمة بسلام، أم أن السماء الأوروبية ستشهد موسمًا مختلفًا هذا العام؟

لندن – ريان سامر القاسمي

"
في لحظة تبدو عابرة على خريطة العالم، يتحول ممر مائي ضيق إلى شريان حياة لقارة كاملة. هكذا هو حال مضيق هرمز اليوم، حيث لم يعد مجرد ممر لنقل النفط، بل أصبح عاملًا حاسمًا قد يحدد مصير موسم السفر الصيفي في أوروبا. التحذير لم يأتِ من جهة عادية، بل من وكالة الطاقة الدولية، حين أشار مديرها
— اليوم ميديا / اقتصاد وأسواق

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، في عُمان

حرب هرمز.. لماذا ترتفع كلفة الوصول إلى الخليج؟

قد تكون أخطر نتائج الحرب الجارية في الخليج أقل ظهورًا من ارتفاع سعر النفط، وأعمق من عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز. إنها ببساطة ارتفاع كلفة الوصول؛ فالسلعة قد تكون موجودة، والميناء مفتوحًا، والسفينة متاحة، لكن الطريق إليها أصبح أطول وأكثر مخاطرة وكلفة. وعندما يحدث ذلك، تتغير قيمة الموقع الجغرافي نفسه: ما كان ميزة تجارية

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة

«تجارة الخليج تختفي من الخريطة».. ماذا يحدث في هرمز؟

لم تعد أزمة مضيق هرمز تضغط على تجارة النفط والطاقة فقط، بل بدأت تعيد رسم حركة البضائع داخل الخليج، بعدما تراجعت حركة سفن الحاويات عبر المضيق إلى مستويات حادة، واضطرت شركات الشحن إلى البحث عن طرق بديلة أطول وأكثر كلفة. هذا ما ترصده صحيفة Financial Times في تقرير بعنوان «The Gulf cargo trade that vanished»،

لندن - اليوم ميديا
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت وتأثير أسعار النفط على توقعات الفائدة والأسواق (وكالات)

فائدة أوروبا ترتفع.. لماذا تراقب أسواق الخليج فخ النفط؟

لم يعد ارتفاع أسعار النفط قضية تخص منتجي الطاقة وحدهم. ففي أوروبا، بدأت صدمة الطاقة تعيد تشكيل توقعات التضخم والفائدة، بينما تتحرك عوائد السندات العالمية عند مستويات مرتفعة، ما يجعل تداعيات المشهد مهمة أيضًا لأسواق الخليج، خصوصًا عبر تكلفة التمويل والطلب العالمي. المفارقة أن النفط المرتفع قد يدعم إيرادات الدول المصدرة للطاقة، لكنه في الوقت

لندن - عمر فهد العلي
الجمعة، ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

النفط الصيني يقفز إلى 129 دولارًا.. ماذا وراء القفزة؟

قفزت العقود الآجلة للنفط المتداولة في شنغهاي إلى نحو 129 دولارًا للبرميل، في أعلى مستوى لها على الإطلاق، مع تصاعد المخاوف في الصين بشأن إمدادات الخام القادمة من الشرق الأوسط، بعد اضطراب خط أنابيب النفط السعودي الذي ينقل الخام إلى البحر الأحمر. وأفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن عقود النفط في شنغهاي ارتفعت بنحو 14% منذ

لندن - اليوم ميديا
الخميس، ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة