الرئيسية/اقتصاد وأسواق/إغلاق مضيق هرمز.. كيف يهدد غذاء العالم؟
اقتصاد وأسواق

إغلاق مضيق هرمز.. كيف يهدد غذاء العالم؟

قوات الحرس الثوري الإيراني خلال مناورات في مضيق هرمز
📸قوات الحرس الثوري الإيراني خلال مناورات في مضيق هرمز
اليوم ميديا

بينما ينشغل العالم بمتابعة تقلبات أسعار النفط، تحذر وكالات الغذاء الدولية من خطر أعمق بكثير، يبدأ بصمت في الحقول ولا ينتهي عند أسواق الطاقة. فالأمن الغذائي الحديث لم يعد قائمًا على الماء والبذور فقط، بل على شبكة معقدة من الطاقة والأسمدة وسلاسل الشحن الدقيقة التي تعمل بتوقيت حساس للغاية.

في قلب هذه الشبكة يقف مضيق هرمز، الذي لم يعد مجرد ممر استراتيجي للنفط، بل أصبح شريانًا حيويًا تمر عبره أيضًا كميات ضخمة من الغاز الطبيعي ومدخلات إنتاج الأسمدة، ما يجعل أي اضطراب فيه قادرًا على إعادة تشكيل أمن الغذاء العالمي.

ومع تصاعد التوترات بعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، وما تبعها من إغلاق أو تعطيل واسع للملاحة في المضيق، لم تعد الأزمة محصورة في ارتفاع أسعار الطاقة، بل امتدت لتضرب قطاع الزراعة في العمق.

حين يتحول هرمز من ممر نفط إلى بوابة غذاء

الزراعة الحديثة تعتمد بشكل مباشر على الأسمدة النيتروجينية، وعلى رأسها اليوريا، وهي منتجات تعتمد بدورها على الغاز الطبيعي كمادة خام أساسية وتكلفة إنتاج رئيسية.

ويمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من ثلث تجارة اليوريا العالمية، إلى جانب جزء كبير من صادرات الأسمدة والمواد الأولية المرتبطة بها. وهذا يعني أن أي تعطيل طويل في هذا الممر لا يرفع أسعار الطاقة فقط، بل يعطل حلقة الإنتاج الزراعي من جذورها.

من الغاز إلى الحقل.. سلسلة الأزمة

تبدأ السلسلة من الغاز الطبيعي، حيث تعتمد صناعة الأسمدة النيتروجينية عليه بنسبة تصل إلى 70% من تكلفة الإنتاج في بعض الحالات. ومع اضطراب الإمدادات نتيجة التوترات والهجمات على منشآت الطاقة، تراجعت قدرة عدد من المصانع في الخليج وخارجه على الإنتاج بكامل طاقتها.

هذا التراجع لم يبقَ في نطاق المصانع، بل انتقل مباشرة إلى الأسواق العالمية، حيث بدأت أسعار اليوريا والأمونيا بالارتفاع بشكل حاد، في وقت يعاني فيه السوق أصلًا من قيود تصدير في بعض الدول وتراجع إنتاجي في أوروبا بعد أزمة الطاقة.

ارتفاعات قياسية في الأسعار

شهدت الأسواق العالمية قفزات غير مسبوقة، حيث ارتفعت أسعار الأسمدة النيتروجينية في بعض المناطق إلى نحو 58% فوق متوسط العام الماضي، فيما تجاوزت أسعار اليوريا مستويات تقارب ضعف أسعارها قبل أشهر قليلة فقط.

وفي الأسواق الآسيوية، وصلت العطاءات في بعض المناقصات إلى نحو 1000 دولار للطن، ما يعكس حجم الضغط على المعروض العالمي.

التأمين والشحن.. تكلفة إضافية للأزمة

لم تتوقف تداعيات إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز عند الإنتاج والأسعار، بل امتدت إلى قطاع الشحن والتأمين البحري، حيث قفزت أقساط التأمين على السفن من مستويات منخفضة إلى أضعافها في بعض الحالات، ما جعل نقل الأسمدة والمواد الزراعية أكثر كلفة وأبطأ في الوقت نفسه.

كما تراجعت حركة الملاحة بشكل كبير في فترات التوتر، ما زاد من تعقيد وصول الإمدادات في الوقت المناسب، وهو عامل حاسم في القطاع الزراعي.

لماذا الزراعة هي الحلقة الأضعف؟

على عكس أسواق الطاقة التي يمكنها امتصاص الصدمات السعرية مؤقتًا، فإن الزراعة تعتمد على توقيت دقيق لا يمكن تأجيله. فنافذة التسميد والزراعة محددة بفصول قصيرة، وأي تأخير في وصول الأسمدة قد يعني خسارة موسم كامل.

لهذا السبب، تحذر منظمات دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة (فاو) من أن استمرار الأزمة قد يقود إلى اضطراب غذائي عالمي، خصوصًا في الدول التي تعتمد على استيراد الأسمدة بشكل كامل.

من الأكثر تأثرًا؟

التأثير العالمي لا يتوزع بشكل متساوٍ. فدول مثل كينيا وأوغندا وجنوب إفريقيا وتايلاند وسريلانكا تعتمد بشكل كبير على واردات الأسمدة القادمة عبر الخليج، ما يجعلها أكثر عرضة لأي تأخير أو نقص.

كما تظهر دراسات أن اقتصادات زراعية كبرى مثل البرازيل وأستراليا ليست بعيدة عن هذا التأثر، بسبب اعتمادها على اليوريا المستوردة، بينما تمتلك الولايات المتحدة قدرة أكبر على التكيف بفضل الإنتاج المحلي، رغم أنها ليست في مأمن كامل.

المحاصيل الأكثر هشاشة

تعد المحاصيل المعتمدة على النيتروجين، مثل القمح والذرة والأرز، الأكثر عرضة للتأثر المباشر. فاليوريا وحدها تمثل أكثر من نصف استخدام الأسمدة النيتروجينية عالميًا، ما يجعل أي نقص فيها مؤثرًا بشكل مباشر على الإنتاج العالمي.

ومع ارتفاع الأسعار، بدأ بعض المزارعين بالفعل في تقليل كميات الاستخدام أو التحول إلى محاصيل أقل استهلاكًا للأسمدة، وهو ما قد يغير خريطة الإنتاج الزراعي في السنوات المقبلة.

خسائر لا تُقاس بالسعر فقط

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في توقيت وصول الأسمدة. فإذا وصلت بعد انتهاء موسم الزراعة، فإنها تفقد قيمتها الإنتاجية بالكامل، ما يؤدي إلى خسائر مباشرة في المحاصيل.

ويحذر البنك الدولي من أن انخفاضًا بسيطًا في توفر الأسمدة قد يؤدي إلى تراجع مضاعف في الإنتاج الزراعي، بسبب العلاقة غير الخطية بين السماد والغلة.

محاولات احتواء الأزمة

تتحرك بعض الدول لمحاولة احتواء التداعيات، حيث يخطط الاتحاد الأوروبي لدعم يغطي جزءًا كبيرًا من تكاليف الأسمدة الإضافية، بينما رفعت الهند دعمها للمزارعين لتخفيف الأثر.

في المقابل، تعتمد الصين على مخزوناتها وإنتاجها المحلي من الفحم، لكنها قد تقلص صادراتها مستقبلًا، بينما تظل الولايات المتحدة أقل عرضة بفضل إنتاجها الداخلي.

ما يحدث في مضيق هرمز يتجاوز بكثير كونه أزمة جيوسياسية أو أزمة طاقة، ليصل إلى قلب الأمن الغذائي العالمي. فكل اضطراب في هذا الممر الضيق قد يعني تأخر سماد، وتأخره قد يعني موسم زراعة ضائع، وموسم ضائع قد يعني ارتفاعًا جديدًا في أسعار الغذاء عالميًا.

وهكذا، يتحول ممر بحري صغير إلى نقطة تحكم في مستقبل الغذاء على الكوكب بأكمله.

"
بينما ينشغل العالم بمتابعة تقلبات أسعار النفط، تحذر وكالات الغذاء الدولية من خطر أعمق بكثير، يبدأ بصمت في الحقول ولا ينتهي عند أسواق الطاقة. فالأمن الغذائي الحديث لم يعد قائمًا على الماء والبذور فقط، بل على شبكة معقدة من الطاقة والأسمدة وسلاسل الشحن الدقيقة التي تعمل بتوقيت حساس للغاية. في قلب هذه الشبكة يقف مضيق
— اليوم ميديا / اقتصاد وأسواق

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، في عُمان

حرب هرمز.. لماذا ترتفع كلفة الوصول إلى الخليج؟

قد تكون أخطر نتائج الحرب الجارية في الخليج أقل ظهورًا من ارتفاع سعر النفط، وأعمق من عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز. إنها ببساطة ارتفاع كلفة الوصول؛ فالسلعة قد تكون موجودة، والميناء مفتوحًا، والسفينة متاحة، لكن الطريق إليها أصبح أطول وأكثر مخاطرة وكلفة. وعندما يحدث ذلك، تتغير قيمة الموقع الجغرافي نفسه: ما كان ميزة تجارية

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة

«تجارة الخليج تختفي من الخريطة».. ماذا يحدث في هرمز؟

لم تعد أزمة مضيق هرمز تضغط على تجارة النفط والطاقة فقط، بل بدأت تعيد رسم حركة البضائع داخل الخليج، بعدما تراجعت حركة سفن الحاويات عبر المضيق إلى مستويات حادة، واضطرت شركات الشحن إلى البحث عن طرق بديلة أطول وأكثر كلفة. هذا ما ترصده صحيفة Financial Times في تقرير بعنوان «The Gulf cargo trade that vanished»،

لندن - اليوم ميديا
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت وتأثير أسعار النفط على توقعات الفائدة والأسواق (وكالات)

فائدة أوروبا ترتفع.. لماذا تراقب أسواق الخليج فخ النفط؟

لم يعد ارتفاع أسعار النفط قضية تخص منتجي الطاقة وحدهم. ففي أوروبا، بدأت صدمة الطاقة تعيد تشكيل توقعات التضخم والفائدة، بينما تتحرك عوائد السندات العالمية عند مستويات مرتفعة، ما يجعل تداعيات المشهد مهمة أيضًا لأسواق الخليج، خصوصًا عبر تكلفة التمويل والطلب العالمي. المفارقة أن النفط المرتفع قد يدعم إيرادات الدول المصدرة للطاقة، لكنه في الوقت

لندن - عمر فهد العلي
الجمعة، ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

النفط الصيني يقفز إلى 129 دولارًا.. ماذا وراء القفزة؟

قفزت العقود الآجلة للنفط المتداولة في شنغهاي إلى نحو 129 دولارًا للبرميل، في أعلى مستوى لها على الإطلاق، مع تصاعد المخاوف في الصين بشأن إمدادات الخام القادمة من الشرق الأوسط، بعد اضطراب خط أنابيب النفط السعودي الذي ينقل الخام إلى البحر الأحمر. وأفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن عقود النفط في شنغهاي ارتفعت بنحو 14% منذ

لندن - اليوم ميديا
الخميس، ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة