
في تطور جديد يعكس تصاعد التوتر داخل منظومة العلاقات الأمريكية الأوروبية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تدرس خيار خفض عدد قواتها العسكرية المنتشرة في ألمانيا، في خطوة من شأنها أن تعيد فتح ملف الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا على نطاق واسع.
وجاء إعلان ترامب عبر منشور على منصته “تروث سوشال”، حيث قال إن واشنطن “تدرس وتراجع إمكانية خفض عدد القوات في ألمانيا”، مضيفاً أن القرار النهائي سيُتخذ خلال فترة قصيرة مقبلة، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول حجم التخفيض المحتمل أو الجدول الزمني للتنفيذ.
وتشير بيانات رسمية صادرة عن خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي إلى أن الولايات المتحدة كانت تنشر في عام 2024 أكثر من 35 ألف جندي في ألمانيا، إلا أن تقارير إعلامية ألمانية ترجح أن العدد الفعلي قد يكون أعلى من ذلك، ويقترب من 50 ألف جندي، موزعين على قواعد عسكرية ومواقع استراتيجية داخل الأراضي الألمانية.
ويُعد الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا أحد أبرز ركائز الحضور العسكري الأمريكي في أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تلعب القواعد الأمريكية هناك دوراً محورياً في عمليات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إضافة إلى كونها مركزاً لوجستياً رئيسياً للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
لكن تصريحات ترامب الأخيرة تعيد إلى الواجهة نهجه المعروف خلال فترتي ولايته، حيث سبق له أن هدد مراراً بتقليص عدد القوات الأمريكية في ألمانيا ودول أوروبية أخرى، في إطار انتقاده المتكرر لما يعتبره “عدم تحمل الحلفاء الأوروبيين نصيبهم العادل من الأعباء العسكرية داخل الناتو”.
وفي السياق الحالي، يبدو أن الخلافات السياسية بين واشنطن وبرلين قد اتسعت لتشمل ملفات خارج الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية، خاصة في ظل التباين في المواقف حول عدد من القضايا الدولية، وعلى رأسها الأزمة المتصاعدة مع إيران.
وبحسب ما أورده ترامب في منشوراته الأخيرة، فإن الإدارة الألمانية الحالية برئاسة المستشار فريدريش ميرتس لم تقدم دعماً كافياً للمواقف الأمريكية في التعامل مع الملف الإيراني، سواء على مستوى العقوبات أو التحركات العسكرية في منطقة الخليج.
كما وجه ترامب انتقادات مباشرة لميرتس، على خلفية تصريحات ألمانية اعتبر فيها أن إيران تمارس ضغوطاً دبلوماسية على الولايات المتحدة، وهو ما اعتبره الرئيس الأمريكي “فهماً غير دقيق للمشهد الدولي”.
ورد ترامب في منشور آخر قائلاً إن “المستشار الألماني لا يعرف ما يتحدث عنه”، في إشارة إلى تصريحاته حول الملف النووي الإيراني، ما يعكس حدة التوتر في الخطاب السياسي بين الجانبين.
من جانبه، كان ميرتس قد أدلى بتصريحات سابقة اعتبر فيها أن بعض التصرفات الإيرانية “تشكل إهانة للولايات المتحدة على طاولة المفاوضات”، وهو ما أثار ردود فعل متباينة داخل الدوائر السياسية الأمريكية.
ويرى مراقبون أن هذا التوتر المتصاعد قد لا يقتصر على الخلافات الكلامية، بل قد ينعكس بشكل مباشر على شكل العلاقات العسكرية داخل حلف الناتو، خاصة إذا تم فعلاً تنفيذ قرار تقليص القوات الأمريكية في ألمانيا.
كما يربط بعض المحللين بين هذا التوجه وبين سياسة أمريكية أوسع تهدف إلى إعادة توزيع الوجود العسكري الأمريكي عالمياً، وربما الضغط على الحلفاء الأوروبيين لزيادة مساهماتهم الدفاعية والمالية داخل الحلف.
وفي حال تنفيذ هذا القرار، فإن تداعياته قد تمتد إلى ما هو أبعد من العلاقات الثنائية بين واشنطن وبرلين، لتشمل بنية الأمن الأوروبي ككل، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه القواعد الأمريكية في ألمانيا في منظومة الدفاع الأطلسية.
في المقابل، لم يصدر حتى الآن رد رسمي مفصل من الحكومة الألمانية حول تصريحات ترامب الأخيرة، إلا أن مراقبين يتوقعون أن تشهد الأيام المقبلة اتصالات دبلوماسية مكثفة لاحتواء أي تصعيد محتمل.
وبين التصريحات السياسية والتوترات الجيوسياسية المتزايدة، يبقى ملف الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا واحداً من أكثر الملفات حساسية داخل حلف الناتو، خاصة في ظل التحولات السريعة في موازين القوى العالمية، وتداخل ملفات الأمن الأوروبي مع أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الملف الإيراني.
حتى ذلك الحين، تبقى تصريحات ترامب بشأن خفض القوات في ألمانيا مؤشراً جديداً على مرحلة سياسية أكثر حدة في العلاقات عبر الأطلسي، قد تعيد رسم خريطة التحالفات الأمنية في المرحلة المقبلة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *