الرئيسية/اقتصاد وأسواق/حرب إيران تهز اقتصادات الخليج.. من الغاز إلى السياحة والمال
اقتصاد وأسواق

حرب إيران تهز اقتصادات الخليج.. من الغاز إلى السياحة والمال

دخان يتصاعد من ميناء زايد جراء هجوم إيراني في أبوظبي
📸دخان يتصاعد من ميناء زايد جراء هجوم إيراني في أبوظبي
اليوم ميديا

لم تعد الحرب الدائرة مع إيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة في الخليج، بل تحولت إلى زلزال اقتصادي يهدد بإعادة تشكيل مستقبل المنطقة لعقود مقبلة، بعدما طالت الضربات منشآت الطاقة وشرايين التجارة والسياحة وأسواق المال في واحدة من أكثر المناطق حساسية للاقتصاد العالمي.

في قلب المشهد تقف قطر، الدولة التي بنت ثروتها الحديثة على الغاز الطبيعي، بعدما راهنت منذ تسعينيات القرن الماضي على تحويل احتياطاتها الضخمة إلى قوة اقتصادية عالمية. ذلك الرهان صنع من مدينة رأس لفان أكبر مركز لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، وجعل الدوحة واحدة من أغنى العواصم على مستوى العالم.

لكن هذا النموذج تعرض لصدمة غير مسبوقة عندما أصابت ضربة صاروخية إيرانية منشآت رئيسية في رأس لفان، ما تسبب بتعطيل جزء ضخم من إمدادات الغاز العالمية، وأثار ذعراً واسعاً في أسواق الطاقة الدولية.

الهجوم لم يكن مجرد خسارة محلية لقطر، بل إن تأثيره امتد سريعاً إلى آسيا وأوروبا، مع اضطراب الإمدادات وارتفاع المخاوف من أزمة طاقة عالمية جديدة، خصوصاً أن منشآت الغاز الخليجية لطالما اعتُبرت بعيدة نسبياً عن دائرة الاستهداف المباشر.

ومع اتساع دائرة التصعيد، بدأت التقديرات الاقتصادية تكشف حجم الكلفة الحقيقية للحرب. خسائر بمليارات الدولارات تضرب منشآت الطاقة والبنية التحتية في قطر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين، فيما حذر البنك الدولي من أن المنطقة قد تواجه “ندوباً اقتصادية طويلة الأمد” حتى لو توقفت الحرب قريباً.

وتحوّل مضيق هرمز مجدداً إلى أخطر نقطة اختناق في العالم. فالممر البحري الذي يعبر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز العالمية أصبح رهينة التصعيد العسكري، ما أجبر دول الخليج على البحث عن بدائل مكلفة ومحدودة القدرة لنقل صادراتها.

السعودية اعتمدت بشكل أكبر على خط أنابيب الشرق ـ الغرب نحو البحر الأحمر، بينما لجأت الإمارات إلى خط الفجيرة لتجاوز هرمز، إلا أن تلك البدائل لا تستطيع تعويض الكميات الضخمة التي تمر يومياً عبر المضيق.

ومع تراجع صادرات الطاقة، بدأت قطاعات أخرى تتلقى الضربة تباعاً، وعلى رأسها السياحة والطيران. دبي، التي كرّست نفسها خلال العقدين الماضيين كأحد أهم مراكز السفر والترفيه في العالم، شهدت تراجعاً حاداً في الحجوزات وإلغاءات واسعة للرحلات، وسط مخاوف المسافرين من اتساع رقعة المواجهة.

شركات الضيافة والسياحة في الخليج تتحدث بالفعل عن خسائر يومية متصاعدة، فيما بدأت بعض المؤسسات بخفض الوظائف أو منح إجازات غير مدفوعة للعاملين مع تراجع الإيرادات.

ولا تتوقف المخاطر عند حدود النفط والسياحة، إذ بدأت الضغوط تظهر أيضاً في القطاع المالي، مع تصاعد المخاوف من نقص السيولة بالدولار وارتفاع كلفة التأمين والشحن والاستثمار.

وفي خضم الأزمة، تتزايد التساؤلات حول مستقبل خطط التنويع الاقتصادي الخليجية، التي ضخت فيها السعودية والإمارات مئات المليارات خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرياضة والترفيه.

فالمستثمرون العالميون الذين كانوا ينظرون إلى الخليج باعتباره واحة استقرار اقتصادي، باتوا اليوم أكثر حذراً، مع استمرار القلق من تحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر مفتوحة لسنوات.

كما أن تداعيات الحرب لا تتوقف عند حدود دول الخليج نفسها، إذ تعتمد دول عربية عدة مثل سوريا ولبنان وغزة على الدعم الخليجي لإعادة الإعمار، وهو ما قد يتراجع إذا اضطرت الحكومات الخليجية إلى توجيه مواردها نحو حماية اقتصاداتها الداخلية وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

ويرى محللون أن أخطر ما في الأزمة الحالية ليس حجم الخسائر الفورية، بل احتمال دخول المنطقة في مرحلة طويلة من “اللااستقرار المزمن”، حيث تبقى التوترات العسكرية قائمة حتى دون اندلاع حرب شاملة.

وفي حال غابت التسوية السياسية الشاملة مع إيران، فإن اقتصادات الخليج قد تواجه سنوات من الضغوط والاستنزاف، ما يهدد الطموحات الكبرى التي بنت عليها المنطقة رؤيتها الاقتصادية الجديدة بعيداً عن النفط التقليدي.

وبينما تتصاعد ألسنة الدخان فوق منشآت الطاقة وتتراجع حركة السفر والاستثمار، يبدو الخليج اليوم أمام اختبار تاريخي صعب: إما احتواء الأزمة سريعاً، أو الدخول في مرحلة اقتصادية مختلفة تماماً عما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية.

"
لم تعد الحرب الدائرة مع إيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة في الخليج، بل تحولت إلى زلزال اقتصادي يهدد بإعادة تشكيل مستقبل المنطقة لعقود مقبلة، بعدما طالت الضربات منشآت الطاقة وشرايين التجارة والسياحة وأسواق المال في واحدة من أكثر المناطق حساسية للاقتصاد العالمي. في قلب المشهد تقف قطر، الدولة التي بنت ثروتها الحديثة على الغاز الطبيعي،
— اليوم ميديا / اقتصاد وأسواق

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، في عُمان

حرب هرمز.. لماذا ترتفع كلفة الوصول إلى الخليج؟

قد تكون أخطر نتائج الحرب الجارية في الخليج أقل ظهورًا من ارتفاع سعر النفط، وأعمق من عدد السفن التي تعبر مضيق هرمز. إنها ببساطة ارتفاع كلفة الوصول؛ فالسلعة قد تكون موجودة، والميناء مفتوحًا، والسفينة متاحة، لكن الطريق إليها أصبح أطول وأكثر مخاطرة وكلفة. وعندما يحدث ذلك، تتغير قيمة الموقع الجغرافي نفسه: ما كان ميزة تجارية

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة

«تجارة الخليج تختفي من الخريطة».. ماذا يحدث في هرمز؟

لم تعد أزمة مضيق هرمز تضغط على تجارة النفط والطاقة فقط، بل بدأت تعيد رسم حركة البضائع داخل الخليج، بعدما تراجعت حركة سفن الحاويات عبر المضيق إلى مستويات حادة، واضطرت شركات الشحن إلى البحث عن طرق بديلة أطول وأكثر كلفة. هذا ما ترصده صحيفة Financial Times في تقرير بعنوان «The Gulf cargo trade that vanished»،

لندن - اليوم ميديا
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت وتأثير أسعار النفط على توقعات الفائدة والأسواق (وكالات)

فائدة أوروبا ترتفع.. لماذا تراقب أسواق الخليج فخ النفط؟

لم يعد ارتفاع أسعار النفط قضية تخص منتجي الطاقة وحدهم. ففي أوروبا، بدأت صدمة الطاقة تعيد تشكيل توقعات التضخم والفائدة، بينما تتحرك عوائد السندات العالمية عند مستويات مرتفعة، ما يجعل تداعيات المشهد مهمة أيضًا لأسواق الخليج، خصوصًا عبر تكلفة التمويل والطلب العالمي. المفارقة أن النفط المرتفع قد يدعم إيرادات الدول المصدرة للطاقة، لكنه في الوقت

لندن - عمر فهد العلي
الجمعة، ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

النفط الصيني يقفز إلى 129 دولارًا.. ماذا وراء القفزة؟

قفزت العقود الآجلة للنفط المتداولة في شنغهاي إلى نحو 129 دولارًا للبرميل، في أعلى مستوى لها على الإطلاق، مع تصاعد المخاوف في الصين بشأن إمدادات الخام القادمة من الشرق الأوسط، بعد اضطراب خط أنابيب النفط السعودي الذي ينقل الخام إلى البحر الأحمر. وأفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن عقود النفط في شنغهاي ارتفعت بنحو 14% منذ

لندن - اليوم ميديا
الخميس، ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة