
في مشهد يعكس حالة الترقب والقلق التي تسيطر على أسواق الطاقة العالمية، استقرت أسعار النفط اليوم الأربعاء قرب أدنى مستوياتها في ثلاثة أشهر، بينما يواصل المستثمرون تقييم تداعيات الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إلى جانب تحذيرات من تحولات كبيرة في ميزان العرض والطلب خلال السنوات المقبلة.
وجاءت حركة الأسواق محدودة، حيث ارتفعت عقود خام برنت بمقدار سنتين فقط لتسجل 78.98 دولاراً للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي ثلاثة سنتات إلى 76.08 دولاراً، في إشارة إلى حالة توازن هش يسيطر على التداولات، بحسب رويترز.
وكانت أسعار الخامين قد تراجعت أمس الثلاثاء بنحو خمسة في المئة، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ ثلاثة أشهر، بعد أن عززت آمال التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران احتمالات زيادة تدفق الإمدادات عبر الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
في المقابل، ألقت وكالة الطاقة الدولية بثقلها في المشهد عبر توقعات مثيرة للجدل، إذ أشارت في أول تقديراتها لعام 2027 إلى أن سوق النفط قد تواجه فائضاً كبيراً في المعروض، مع ارتفاع الإنتاج العالمي بنحو ثمانية ملايين برميل يومياً، مقابل نمو في الطلب لا يتجاوز مليوني برميل فقط.
هذا التباين الحاد بين العرض والطلب المرتقب يعيد رسم صورة السوق العالمية، ويثير مخاوف من مرحلة طويلة من الضغط السعري على النفط، خاصة مع احتمالات تراكم المخزونات الاستراتيجية في عدد من الدول الكبرى.
وعلى المدى القريب، ترى الوكالة أن الاتفاق بين طهران وواشنطن قد يفتح الباب أمام إعادة ملء المخزونات التي استُنزفت خلال فترات الاضطراب، ما يضيف مزيداً من الضغط على الأسعار.
ويقول محللون إن عودة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، حتى بشكل تدريجي، ستكون كفيلة بإحداث تغيير ملموس في توازن السوق، في ظل حساسية هذا الممر الحيوي لأي تطورات جيوسياسية في المنطقة.
وفي خلفية المشهد، لا تزال الصورة غير مكتملة بشأن تفاصيل الاتفاق المؤقت بين الجانبين، رغم تسريبات تشير إلى أنه سيسمح لإيران ببيع النفط ضمن ترتيبات محددة، مع تمديد وقف إطلاق النار الهش لمدة 60 يوماً إضافية.
لكن حالة عدم اليقين السياسي والعسكري ما زالت تلقي بظلالها، خصوصاً مع استمرار التوترات الإقليمية، والتطورات العسكرية المحدودة في بعض الساحات، ما يجعل استقرار سوق الطاقة مؤقتاً أكثر منه دائماً.
وفي موازاة ذلك، أظهرت بيانات حديثة تراجع استهلاك النفط الخام في الصين بنسبة 9.1% خلال مايو، وهو أدنى مستوى في نحو أربع سنوات، في إشارة إضافية إلى ضعف الطلب العالمي.
كما أظهرت بيانات معهد البترول الأمريكي انخفاض مخزونات الخام في الولايات المتحدة بمقدار 8.3 مليون برميل خلال الأسبوع المنتهي في 12 يونيو، وهو تراجع أكبر من التوقعات، ما قدم بعض الدعم المحدود للأسعار.
ومع تداخل عوامل السياسة والاقتصاد والطاقة، يبقى سوق النفط عالقاً بين قوتين متناقضتين: توقعات فائض كبير في المستقبل، ومخاوف من تقلبات جيوسياسية قد تعيد خلط الأوراق في أي لحظة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *