الرئيسية/الشرق الأوسط/الحوثيون يقتربون من باب المندب.. ماذا يعني ذلك للسعودية؟
الشرق الأوسط

الحوثيون يقتربون من باب المندب.. ماذا يعني ذلك للسعودية؟

لندن – أنس محمد العريقي لم يعد التصعيد الأخير في اليمن مجرد جولة جديدة بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، بل بدأ يأخذ شكلًا أكثر اتساعًا.

أضرار ناجمة عن غارات الحوثيين على مدينة المخا الساحلية على البحر الأحمر في اليمن

لندن – أنس محمد العريقي

لم يعد التصعيد الأخير في اليمن مجرد جولة جديدة بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، بل بدأ يأخذ شكلًا أكثر اتساعًا، بعدما انتقلت العمليات من الضغط على الجبهات الداخلية إلى التقدم على الساحل الغربي لليمن، بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

فسيطرة الحوثيين على مدينة المخا ووصول عملياتهم إلى جزر حنيش ودفع القوات الحكومية وحلفائها نحو منطقة ذباب، وفق مصادر يمنية نقلت عنها «رويترز»، تعني أن المعركة تقترب جغرافيًا من باب المندب، من دون أن يعني ذلك أن الجماعة باتت تسيطر على المضيق نفسه.

وهنا تكمن أهمية التطور: الجغرافيا التي كانت تمنح السعودية طريقًا بديلًا لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز قد تتحول إلى نقطة ضغط جديدة عليها.

المخا.. لماذا تغير سقوط المدينة الحسابات؟

قد لا تكون المخا، من حيث حجمها، أهم مدينة يمنية، لكن موقعها يجعل السيطرة عليها ذات قيمة عسكرية واستراتيجية.

فالمدينة تقع على الساحل الغربي لليمن، وعلى مسافة تقارب 80 كيلومترًا من باب المندب، وفق «أسوشيتد برس». والممر يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ما يجعل التقدم جنوبًا باتجاه ذباب والمناطق والجزر المحيطة بالمضيق أكثر أهمية من السيطرة على مدينة ساحلية بحد ذاتها.

وتقول «رويترز» إن الحوثيين وصلوا إلى جزر حنيش، فيما دفعت العمليات القوات الحكومية وحلفاءها نحو ذباب، الواقعة مباشرة على المضيق مقابل جزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم ميون.

وهذا لا يعني أن الحوثيين باتوا يملكون المضيق، لكنه يعني أنهم أصبحوا في وضع جغرافي أفضل لتهديد حركة السفن إذا استمرت العمليات جنوبًا.

السعودية أمام معادلة مختلفة

تكمن حساسية التطور بالنسبة للسعودية في أن البحر الأحمر ليس مجرد ممر تجاري، بل يمثل أحد المسارات التي يمكن للمملكة استخدامها لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز.

ومع استمرار الاضطرابات في هرمز، ارتفعت أهمية ميناء ينبع بوصفه منفذًا على البحر الأحمر يمكن من خلاله تحميل النفط بعيدًا عن المضيق.

وتشير بيانات تتبع الناقلات التي أوردتها «رويترز» إلى أن تحميلات الخام والمكثفات السعودية من ينبع ارتفعت في سبتمبر مقارنة بأغسطس، مع اختلاف واضح بين تقديرات شركتي Kpler وVortexa. وبلغت تقديرات Vortexa نحو 3.7 مليون برميل يوميًا في سبتمبر مقابل 3.2 مليونًا في أغسطس، بينما قدرت Kpler سبتمبر بنحو 2.9 مليون برميل يوميًا مقابل 1.5 مليون في أغسطس.

وبالتالي، فإن اتساع قدرة الحوثيين على الضغط على الساحل الغربي لليمن لا يهدد السعودية عسكريًا فقط، بل يمكن أن يضع مسارًا بديلًا للطاقة أمام اختبار أمني جديد.

وهنا تتغير المعادلة: هرمز يضغط على صادرات الخليج، وباب المندب يمكن أن يضغط على أحد المسارات التي تستخدمها السعودية لتجاوز هرمز.

باب المندب.. الهدف ليس إغلاق المضيق بالضرورة

أحد أهم الأخطاء في قراءة التطورات الحالية هو افتراض أن الهدف الحوثي المباشر هو إغلاق باب المندب.

المعطيات الحالية لا تثبت ذلك. بل إن المتحدث باسم الحوثيين محمد عبدالسلام قال إن حرية الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب آمنة، وإن عمليات الجماعة تستهدف جهات محددة، مع استمرار استثناء السفن السعودية من ذلك، بحسب «رويترز».

لكن من الناحية الاستراتيجية، ليس من الضروري السيطرة الكاملة على المضيق حتى تصبح الجماعة قادرة على التأثير في حركة الملاحة.

يكفي أن تصبح المنطقة المحيطة به ساحة عمليات عسكرية غير مستقرة، وأن تضطر السفن وشركات التأمين إلى إعادة حساب المخاطر والمسارات والتكاليف. وهذا هو جوهر المسألة.

النفط يدخل المعادلة من بابين

ارتفاع المخاطر في البحر الأحمر يأتي في لحظة شديدة الحساسية لسوق الطاقة. فأسعار النفط ارتفعت اليوم بأكثر من 5%، ووصل خام برنت إلى 107.08 دولار للبرميل، وفق «رويترز»، في ظل تصاعد المخاوف من اضطرابات إضافية في إمدادات الطاقة وحركة الناقلات. لكن من الخطأ تحميل التصعيد اليمني وحده مسؤولية الارتفاع؛ فالسوق يتأثر في الوقت نفسه باضطرابات مضيق هرمز والحرب الأوسع في المنطقة.

ومع ذلك، فإن التطورات في اليمن تضيف طبقة جديدة من المخاطر:

إذا أصبح هرمز أكثر صعوبة، ثم أصبح البحر الأحمر أكثر خطورة، فإن هامش المناورة أمام أسواق الطاقة يتقلص.

وهذا ما يجعل اليمن جزءًا من معادلة الطاقة العالمية، وليس مجرد أزمة أمنية محلية.

ماذا يريد الحوثيون؟

يصعب اختزال التحرك الحوثي في هدف واحد. فمن ناحية، تبدو الجماعة مهتمة بتوسيع نفوذها العسكري والسياسي داخل اليمن.

ومن ناحية أخرى، يمنحها الساحل الغربي أدوات ضغط مختلفة عن تلك التي تمتلكها في الداخل، خصوصًا مع قربه من طرق الملاحة الدولية.

كما أن ربط عمليات الحوثيين بالتصعيد الإقليمي الأوسع يجعل اليمن ساحة يمكن من خلالها الضغط على السعودية والولايات المتحدة في الوقت نفسه. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل قرار حوثي يصدر مباشرة من طهران.

إيران.. دعم استراتيجي أم قيادة مباشرة؟

تصف تقارير دولية الحوثيين بأنهم جماعة مدعومة أو متحالفة مع إيران، لكن مسألة مستوى السيطرة الإيرانية المباشرة على قراراتهم أكثر تعقيدًا.

فقد نقلت «رويترز» عن مصادر إيرانية روايات متباينة بشأن العلاقة؛ إذ قال مسؤول إيراني إن طهران لا تسيطر على الحوثيين، بينما تحدثت مصادر إيرانية أخرى عن دعم إضافي بالتمويل والأسلحة، بل وعن دور في تنسيق بعض العمليات. وهذه الروايات المتعارضة تجعل من الصعب الجزم بأن كل خطوة عسكرية حوثية هي قرار إيراني مباشر.

ولهذا فإن الوصف الأكثر دقة هو أن إيران تمثل داعمًا استراتيجيًا مهمًا للحوثيين، مع بقاء مساحة من الاستقلالية في القرار الحوثي.

وهذه نقطة مهمة لفهم المرحلة المقبلة؛ لأن مساحة القرار المستقل للحوثيين قد تكون أكبر مما توحي به القراءة المبسطة للصراع باعتباره مواجهة مباشرة بين الرياض وطهران.

السعودية.. بين الرد والاحتواء

السعودية تواجه الآن معادلة صعبة. فالرد العسكري القوي قد يرفع تكلفة التصعيد ويدفع الحوثيين إلى توسيع عملياتهم البحرية والصاروخية، بينما يمكن أن يؤدي ضبط الرد إلى تشجيع الجماعة على استثمار مكاسبها الجغرافية الجديدة.

وفي الوقت نفسه، فإن أي محاولة لإعادة تشكيل الوضع العسكري في الساحل الغربي لليمن ستكون أكثر تعقيدًا من مجرد تنفيذ ضربات جوية.

المطلوب سيكون منع الحوثيين من تحويل المكاسب الميدانية إلى قدرة بحرية مستدامة.

وهذا يفسر أهمية المخا وذباب وجزر حنيش أكثر من أهمية المدن نفسها.

باكستان تدخل الحسابات.. ولكن بحذر

دخلت باكستان أيضًا في الحسابات الجديدة بعدما نقلت «رويترز» أن إسلام آباد وجهت تحذيرًا إلى إيران بشأن هجمات الحوثيين على السعودية.

لكن من المهم عدم المبالغة في هذه الخطوة. فباكستان قالت اليوم إنه لا توجد مناقشات بشأن رد عسكري مباشر في الوقت الراهن، رغم تأكيدها أنها ستتصرف عندما يحين الوقت، وفق التزامات اتفاق الدفاع المشترك مع السعودية وتركيا. وينص الاتفاق الموقع الشهر الماضي على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا.

وبالتالي، فإن وجود اتفاق دفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا لا يعني تلقائيًا دخول القوات الباكستانية الحرب في اليمن.

الرسالة الحالية تبدو أقرب إلى محاولة ردع وضغط دبلوماسي قبل الانتقال إلى خيارات أكثر صعوبة.

ما وراء الخبر

التطور الأهم ليس أن الحوثيين سيطروا على مدينة المخا. الأهم أن الجبهة اليمنية بدأت تقترب من نقطة التقاء ثلاثة ملفات كانت تبدو منفصلة: الحرب الإقليمية، وأمن الملاحة، وأمن الطاقة.

وهذه النقطة هي التي تجعل التصعيد الحالي مختلفًا عن جولات سابقة. ففي السابق كان بالإمكان النظر إلى الهجمات الحوثية باعتبارها جزءًا من الصراع اليمني أو الإقليمي.

أما الآن، فإن أي تقدم إضافي جنوبًا أو أي قدرة أكبر على تهديد السفن قد يؤثر في حسابات شركات النقل والتأمين والطاقة، خصوصًا إذا استمر اضطراب هرمز بالتوازي.

بمعنى آخر: التهديد لم يعد أن تصل الحرب إلى البحر؛ بل أن يصبح البحر نفسه جزءًا من الحرب.

ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة

الأول: احتواء التصعيد

تتوقف العمليات عند حدود المكاسب الحالية، وتتحرك السعودية والقوى اليمنية وحلفاؤها لمنع تحول الساحل إلى جبهة مفتوحة، مع إبقاء باب المفاوضات قائمًا. وهذا هو السيناريو الأقل تكلفة إقليميًا.

الثاني: حرب ساحلية مفتوحة

تستمر القوات الحوثية في التقدم جنوبًا، بينما تعيد القوات الحكومية وحلفاؤها تنظيم صفوفها لوقف التوسع.

في هذه الحالة قد تتحول المخا وذباب ومحيط باب المندب إلى مركز صراع رئيسي، مع ارتفاع مخاطر الملاحة.

الثالث: تدويل الأزمة

إذا ارتفعت الهجمات على السفن أو اتسعت دائرة الاستهداف، فقد تدخل قوى دولية بشكل مباشر لحماية الملاحة.

وهنا تصبح الأزمة اليمنية جزءًا من أزمة أمن بحري دولية، لا مجرد حرب بين أطراف يمنية.

الخلاصة

المخا ليست مجرد مدينة سقطت في خريطة الحرب اليمنية. قيمتها الحقيقية تكمن في موقعها.

فكلما تحرك الحوثيون جنوبًا على الساحل الغربي، اقتربت الحرب من باب المندب، وكلما ارتفعت المخاطر حول باب المندب، تقلصت قدرة السعودية على الاعتماد بأمان على البحر الأحمر كمسار بديل في ظل اضطرابات هرمز.

ولهذا فإن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس: هل يسيطر الحوثيون على باب المندب؟

بل: إلى أي مدى يستطيعون جعل الاقتراب منه ورقة ضغط على السعودية والملاحة والطاقة العالمية؟

وهنا تحديدًا قد تكون معركة اليمن قد دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تقاس فيها المكاسب بعدد المدن التي تسقط، وإنما بالممرات الاستراتيجية التي يمكن تهديدها.

"
“لندن – أنس محمد العريقي لم يعد التصعيد الأخير في اليمن مجرد جولة جديدة بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، بل بدأ يأخذ شكلًا أكثر اتساعًا، بعدما انتقلت العمليات من الضغط على الجبهات الداخلية إلى التقدم على الساحل الغربي لليمن، بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فسيطرة الحوثيين على مدينة”
— اليوم ميديا / الشرق الأوسط

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني

قطر تكشف تطورات الوساطة بين واشنطن وطهران

أكد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، السبت، استمرار جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، بهدف منع تصاعد التوترات في المنطقة وخروج الأوضاع عن السيطرة، مشيراً إلى أن اهتمام واشنطن بالتوصل إلى اتفاق مع طهران لم يتغير، رغم انتهاء الانتخابات النصفية الأميركية. ونقلت وكالة رويترز عن قناة الجزيرة تصريحات

لندن - اليوم ميديا
السبت، ٧ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز

قشم تحت الاستهداف.. تقارير عن إصابة الجزيرة بصاروخين

قالت وكالة أنباء تسنيم الإيرانية شبه الرسمية، السبت، إن صاروخين استهدفا جزيرة قشم جنوبي إيران، في حادث لم تتضح بعد ملابساته أو حجم الأضرار الناجمة عنه. ونقلت وكالة رويترز عن تسنيم أن التقارير الأولية تشير إلى إصابة الصاروخين الجزيرة، مشيرة إلى عدم توافر معلومات رسمية حتى الآن بشأن الأضرار المحتملة، وأن تفاصيل إضافية ستُعلن بعد

لندن - اليوم ميديا
السبت، ٧ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
غروب الشمس فوق أفق الدوحة

مفاوضو إيران يغادرون الدوحة وسط تداول مسودة اتفاق مع أميركا

غادر المفاوضون الإيرانيون الدوحة، الأحد، بعد محادثات مع وسطاء قطريين بشأن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، فيما يجري تداول مسودة مقترح للاتفاق مع احتمال عقد اجتماع متابعة، وفق مسؤول مطلع تحدث إلى وكالة «رويترز» الاثنين 2 نوفمبر 2026. وأوضح المسؤول أن مغادرة الوفد الإيراني لم تكن نتيجة صعوبات في المفاوضات، لكنه لم

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يتحدث خلال مؤتمر صحفي بالسفارة الإيرانية في نيودلهي

إيران تعرض فتح مضيق هرمز خلال يومين بشروط

طرحت إيران مقترحاً لإعادة فتح مضيق هرمز خلال يومين، شرط تنفيذ الولايات المتحدة مجموعة من الإجراءات التي تطالب بها طهران، في وقت تتواصل فيه الوساطة القطرية لإنهاء الحرب، وسط تهديدات إيرانية بالرد على أي هجوم أميركي أو إسرائيلي. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مع قناة «الجزيرة»، إن طهران توصلت مع وسطاء قطريين

لندن - اليوم ميديا
الأحد، ١ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة