لم تعد تداعيات التصعيد بين السعودية والحوثيين تقتصر على الخسائر الميدانية والمخاطر الأمنية، بل امتدت إلى أسواق المال ومخاوف المستثمرين بشأن كلفة ممارسة الأعمال في المملكة، في وقت تواصل فيه الرياض تنفيذ خططها لتنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وتراجع المؤشر الرئيسي للسوق السعودية بنسبة 0.7% خلال تداولات الأربعاء، 14 أكتوبر، عقب الهجوم على مبنى إداري تابع لشركة أرامكو في الظهران. وانخفض سهم البنك الأهلي السعودي بنسبة 1.3%، فيما تراجع سهم أرامكو 0.5%، وفق بيانات أوردتها وكالة رويترز في تقرير عن أداء أسواق الخليج.
في المقابل، وصفت وزارة الطاقة السعودية الحريق الذي اندلع في المبنى بأنه محدود، وأكدت عدم تسجيل إصابات أو وفيات. ولم تتضمن المعلومات المنشورة ما يثبت توقف إنتاج النفط أو صادراته نتيجة الحادث، ما يستدعي التمييز بين استهداف منشأة إدارية وتعطيل العمليات النفطية فعليًا.
مخاوف تتجاوز خسائر جلسة تداول
تتجاوز أهمية التطورات حركة الأسهم اليومية إلى ما يمكن أن تعنيه المخاطر الأمنية للشركات التي تدرس ضخ استثمارات جديدة في المملكة، خصوصًا في قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجستية والمشروعات الكبرى.
وفي تقرير نشرته مجلة «فورتشن» في 14 أكتوبر، رأت الكاتبة ميليسا هانكوك أن استهداف مقر أرامكو يضيف ضغوطًا على صورة السعودية بوصفها وجهة آمنة للأعمال والاستثمار. ونقلت عن جيمس ريف، المستشار الاقتصادي الذي عمل سابقًا في منصب قيادي بصندوق الاستثمارات العامة السعودي، تقديره أن الاستثمارات الأجنبية القائمة لا يُرجح أن تنسحب سريعًا، بينما قد تكون التدفقات الاستثمارية الجديدة أكثر تأثرًا بتطورات الوضع الأمني.
وأشار التقرير إلى أن الشركات الأجنبية التي تدرس استثمارات رأسمالية كبيرة ستراقب مدة الاضطراب، ومدى استقرار حركة السفر، وطبيعة الإجراءات التي تتخذها السلطات لطمأنة المستثمرين.
ولا يعني ذلك أن الاستثمارات الأجنبية بدأت بالضرورة في مغادرة السعودية، بل إن استمرار المخاطر قد يدفع بعض الشركات إلى تأجيل قراراتها أو إعادة تقييم تكاليفها والعوائد المتوقعة منها.
رؤية 2030 أمام اختبار الثقة
تسعى السعودية إلى جذب استثمارات أجنبية كبيرة لدعم تنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط، ضمن مستهدفات رؤية 2030. ويجعل هذا التوجه استقرار البيئة التشغيلية والأمنية عاملًا مهمًا في قرارات الشركات، ولا سيما المشروعات المرتبطة بالسياحة والضيافة والنقل والفعاليات الدولية.
وكانت رويترز قد تناولت في تقرير سابق هذا الأسبوع تأثير الهجمات على مطار الرياض في حركة الطيران وتوقعات المستثمرين، في ظل اضطرابات أمنية دفعت بعض شركات الطيران إلى تعليق رحلاتها أو تعديل خطط تشغيلها.
لكن من السابق لأوانه اعتبار هذه التطورات دليلًا على تراجع مستدام في الاستثمارات أو تعثر رؤية 2030. فالأثر طويل الأجل يعتمد على مدة التصعيد، وحجم الأضرار، واستمرارية النشاط الاقتصادي، وقدرة السلطات على احتواء المخاطر وإعادة الثقة إلى الشركات والمسافرين.
ما وراء الخبر
السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الأسهم السعودية قد تراجعت في جلسة واحدة، بل ما إذا كانت المخاطر الأمنية ستتحول إلى كلفة إضافية مستمرة على الاستثمار، عبر ارتفاع تكاليف التأمين والتشغيل، وتأجيل بعض القرارات الاستثمارية، وتراجع الإقبال على قطاعات تعتمد على السفر وحركة الزوار.
وتواجه السعودية معادلة مزدوجة: حماية المنشآت الحيوية وضمان استمرارية الأعمال، بالتوازي مع مواصلة جذب رؤوس الأموال اللازمة لمشروعات التنويع الاقتصادي.
وستتضح دلالة التصعيد الاقتصادية بمرور الوقت، من خلال أداء السوق، وقرارات الشركات، وحركة الرحلات، والتدفقات الاستثمارية الجديدة؛ وهي مؤشرات أكثر دلالة من ردود الفعل الأولية وحدها.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *