
محمد فال معاوية
في السياسة، لا تُقاس قوة التحالفات بمدى انسجامها في لحظات التوافق، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف عندما تتغير الظروف وتتداخل المصالح. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التوتر بين السعودية والإمارات في اليمن لا بوصفه قطيعة أو صراع نفوذ مباشر، بل كاختبار معقّد لمعنى الشراكة الإقليمية في بيئة سياسية تتآكل فيها اليقينيات وتزداد فيها الحسابات تشابكًا.
عند انطلاق التحالف العربي في اليمن عام 2015، بدا وكأنه استجابة جماعية لفراغ أمني وسياسي يهدد استقرار المنطقة بأسرها. السعودية والإمارات، كلٌّ من موقعه، انخرطتا في مشروع مشترك هدفه المعلن دعم الشرعية اليمنية ومنع انزلاق البلاد نحو فوضى مفتوحة. غير أن مسار الحرب، بطبيعته، لم يسر في خط مستقيم، بل أعاد تشكيل الأولويات وفرض مقاربات مختلفة لإدارة الأزمة.
تنظر السعودية إلى اليمن من زاوية الجغرافيا السياسية التقليدية: حدود طويلة، تداخل اجتماعي، وتهديدات أمنية مباشرة. من هذا المنظور، تُعد وحدة اليمن ووجود سلطة مركزية قادرة على ضبط القرار العسكري شرطًا أساسيًا لأي استقرار مستدام. فالدولة، مهما كانت هشّة، تبقى في الحسابات السعودية أقل كلفة من واقع تتعدد فيه مراكز القوة والسلاح على مقربة من حدودها.
في المقابل، تعاملت الإمارات مع الملف اليمني من منظور أكثر براغماتية، ركّز على محاربة التنظيمات المتطرفة، وتأمين الموانئ والممرات البحرية، وبناء شراكات محلية فاعلة على الأرض. هذا النهج، الذي يمكن وصفه بإدارة المخاطر أكثر من إعادة بناء الدولة، حقق نتائج ملموسة في بعض الجوانب، لكنه أسهم أيضًا في نشوء قوى محلية ذات وزن سياسي وعسكري مستقل، ما أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد اليمني.
إعلان الإمارات في ديسمبر 2025 إنهاء وجودها العسكري في اليمن جاء في سياق هذا التباين، وحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الميداني. فبينما أكدت أبوظبي أن الانسحاب العسكري اكتمل منذ سنوات، وأن ما تبقى اقتصر على مهام محدودة لمكافحة الإرهاب، قرأ آخرون الخطوة بوصفها انعكاسًا لاختلاف أعمق حول إدارة الملف الجنوبي وحدود الالتزام داخل التحالف.
اللغة المتحفظة في البيانات الصادرة عن الرياض وأبوظبي، رغم حدّتها أحيانًا، عكست إدراك الطرفين لحساسية المرحلة وحرصهما على احتواء الخلاف. وحتى الأحداث الميدانية التي أُثير حولها جدل واسع، مثل ما جرى في محيط ميناء المكلا، بقيت ضمن سقف سياسي واضح، ما يشير إلى رغبة مشتركة في منع التوتر من التحول إلى أزمة استراتيجية مفتوحة.
في عمق هذا المشهد، يبرز سؤال يتجاوز اليمن نفسه: كيف تُدار التحالفات في عالم لم تعد فيه الدولة الوطنية الفاعل الوحيد، ولا القوة العسكرية أداة حاسمة، ولا النصر مفهومًا نهائيًا؟ اليمن، بتعقيداته الاجتماعية وتاريخه المنقسم، كشف حدود القوة، مهما بلغت، وأظهر أن إدارة النزاعات لا تقل صعوبة عن خوضها.
موقف المجلس الانتقالي الجنوبي، وإصراره على فرض نفسه كفاعل مستقل في الجنوب، يعكس هذا الفراغ البنيوي. وهو لا يضع السعودية أو الإمارات وحدهما أمام تحدٍّ سياسي، بل يطرح إشكالية أوسع تتعلق بغياب إطار سياسي شامل قادر على استيعاب التعدد القائم وتحويله إلى تسوية مستدامة.
في المحصلة، لا يبدو التوتر السعودي–الإماراتي في اليمن مؤشرًا على انهيار التحالف بقدر ما هو لحظة مراجعة قسرية لمساره وحدود فاعليته. فـ«الأخوة في القوة» لا تعني التطابق في الرؤى، بل القدرة على إدارة الاختلاف دون فقدان الهدف المشترك. ويبقى السؤال المفتوح: هل تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة ضبط البوصلة، أم يظل اليمن ساحة اختبار مؤلمة لتحالفات تدفع ثمن تعقيد الواقع أكثر مما تتحكم فيه؟

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]