
إبراهيم أبو عواد
يُعَدّ الشعر مرآةً للروح الإنسانية، وأداةً للتعبير عن أعماق الفكر والمشاعر، ووسيلةً للتواصل بين الأجيال والثقافات. ومن الذين جسّدوا قدرة الشعر على التجديد والابتكار الرمزي الشاعرُ العربي أبو تمام (188هـ – 231هـ / 803م – 845م)، والشاعرُ الأمريكي الإنجليزي تي. إس. إليوت (1888م – 1965م). وهما رمزان لروح التجديد الشعري في سياقين تاريخيين وثقافيين مختلفين، إلا أن تجربتهما تتقاطع في السعي إلى توسيع لغة الشعر، وإغناء الرمزية التعبيرية التي تعتمد على الصور اللغوية الدقيقة، والأفكار المعقّدة، والعواطف المكثّفة.
يُعَدّ أبو تمام شاعر العصر العباسي، وقد عُرف بقدرته الفائقة على الابتكار الشعري، حيث جمع بين الموروث الجاهلي والروح العباسية الجديدة، محققًا ثورة فنية في بنية القصيدة وأساليبها. واتّسم شعره بالترف اللغوي والتجديد في الصور، إذ لم يكتفِ بالتصوير الحسي التقليدي، بل سعى إلى صناعة رموز معقّدة تعبّر عن المعاني الأخلاقية والفلسفية والاجتماعية.
اعتمد أبو تمام على الرموز الطبيعية مثل الليل، والقمر، والريح، ليس فقط كعناصر وصفية، بل كرموز تحمل دلالات نفسية وروحية؛ فالليل يرمز إلى الغموض الداخلي، والقمر يرمز إلى الجمال المثالي، والريح ترمز إلى تغيّر الأحوال وتقلبات الحياة. كما امتاز أسلوبه بالاعتماد على التورية واللمحة الذكية، ما منح النصوص بُعدًا فكريًا إضافيًا، وجعل القارئ متفاعلًا مع الرموز على مستويات متعددة، لا على مستوى المعنى المباشر فقط.
ويظهر التجديد الشعري الرمزي عند أبي تمام أيضًا في توظيف اللغة لتجاوز حدود التقليد، مستفيدًا من إيقاع القصيدة الموسيقي وتقنيات الوزن والقافية لإيصال المعاني بطرائق مبتكرة ومؤثرة. وقد جعل هذا الاستخدام الذكي للرموز من أبي تمام شاعرًا لا يُنسى، وشكّل إرثًا شعريًا أثّر في شعراء لاحقين مثل المتنبي.
وعلى الجانب الآخر من التاريخ والجغرافيا، يبرز تي. إس. إليوت شاعر الحداثة في القرن العشرين، الذي شكّل رمزية شعرية معقّدة تنبع من صراع الإنسان الحديث مع زمنه، واغتراب الروح عن عالمٍ متغيّر بسرعة. ففي أعماله نجد رمزية متعددة الطبقات، حيث تتشابك الأساطير القديمة مع الواقع الحديث، وتختلط اللغة اليومية بالشعرية الكلاسيكية، ويُولد المعنى من تصادم الأزمنة، وتغدو الأمكنة جسورًا للذكريات والحكايات، ويتداخل الماضي مع الحاضر في همسٍ صامت.
اعتمد إليوت على الرموز ليعكس أزمة الإنسان الحديث، مستخدمًا صورًا مألوفة ومعاصرة مثل المدينة، والخراب، والماء، والرموز الدينية والأسطورية. ومن خلال هذا التداخل بين الرمزي والواقعي، صنع إليوت شعورًا بالاغتراب والحنين، وأتاح للقارئ مساحات واسعة للتأويل والتفسير، مما جعل النص الشعري غنيًا ومتعدد الأبعاد.
وعلى غرار أبي تمام، لم يكن إليوت مقيّدًا بالأسلوب التقليدي، بل ابتكر أشكالًا جديدة من القصيدة المقطعية، ودمج بين الشعر النثري والموسيقى الداخلية للكلمات، مما أتاح له توظيف الرموز بدرجة أعلى من التعقيد والحداثة، لتصبح تجربة القراءة مغامرة فكرية وجمالية.
ورغم الفارق الزمني والثقافي بين أبي تمام وإليوت، فإن هناك نقاطًا مشتركة في رؤيتهما للشعر الرمزي، من أبرزها:
التركيز على الرموز المعقّدة: إذ يستخدم كلا الشاعرين الرمز لا للزينة أو الوصف فحسب، بل لتوصيل طبقات عميقة من المعنى، أخلاقية وفلسفية عند أبي تمام، ونفسية واجتماعية عند إليوت.
التجديد الأسلوبي: وسّع أبو تمام حدود القصيدة العربية التقليدية، بينما كسر إليوت نمط القصيدة الأوروبية التقليدية وابتكر تقنيات الحداثة.
التفاعل مع القارئ: فالرمزية لديهما ليست أحادية البعد، بل تتطلب مشاركة فكرية وعاطفية من القارئ لفهم المعاني الكامنة.
أما الفارق الأبرز بينهما فيكمن في طبيعة الرمزية ذاتها؛ إذ يميل أبو تمام إلى الرمزية الجمالية والفكرية المرتبطة بالقيم العربية والإسلامية، بينما يتجه إليوت نحو رمزية تعكس أزمة الإنسان الحديث وتناقضاته، مستفيدًا من التاريخ والأسطورة والثقافة الغربية.
إن التجديد الشعري الرمزي ليس تقنية فحسب، بل هو فعل وجودي وسعي لإعادة تشكيل اللغة كي تعكس أبعاد الوعي البشري. فأبو تمام يستخدم الرمز لتوسيع فضاءات الجمال والتأمل، بينما يوظفه إليوت لتحليل الذات والوجود. ويظل القاسم المشترك بينهما هو القوة التحويلية للكلمة التي تتجاوز الصوت والمعنى المباشر، لتغدو وسيلة لاستكشاف الإنسان والزمان والمكان. وتمثّل التجربة الشعرية لكلٍ منهما حالة فريدة من التجديد، حيث أضافا بفضل الرمزية عمقًا وثراءً للنص الشعري، وفتحا آفاقًا جديدة أمام القارئ للتفكير والتأمل. وسيظل الشعر الرمزي جسرًا بين الثقافات، ووسيلة خالدة للتعبير عن الروح الإنسانية بكل تعقيداتها وجمالياتها.

عثمان ميرغني يخطئ من يظن أن إشعال أو تأجيج الحروب في بيوت الجيران يمكن أن يتمّ بلا تكلفة. فالنار، حين تُؤجَّج، لا تعترف بالحدود، ولا تميّز بين من أشعلها ومن جاورها. وما يجري في السودان اليوم يقدّم مثالاً صارخاً على خطورة التدخلات الخارجية، وترجمة عملية للتحذيرات التي انطلقت منذ بدايات الحرب بأنها لن تقف عند [...]

سمير عطا الله ليس من السهل إعادة ترميم سوريا. فالضرر الذي لحق بنسيجها الأساسي لم يبدأ بحرب البراميل التي امتدت أكثر من عقد، بل منذ بدء الصراع العابث على هويتها منذ قيام الوحدة مع مصر ثم الانفصال الصبياني، ثم مسلسل الانقلابات الرديء، ثم احتكار «البعث» للسلطة على الطريقة السوفياتية التي كانت نموذج المرحلة آنذاك. خلخلت [...]

مشاري الذايدي من يتذكّر المشهد الخالد للفنان المصري محمود عبد العزيز في فيلم «الكيت كات» وهو يجسّد دور الرجل الضرير (الشيخ حسني) الذي يتميّز بالذكاء وسرعة البديهة، وسعة الحيلة، في مشهد عزاء «عم مجاهد» بائع الفول؟ في هذا المشهد، وبعد أن انتهى المقرئ من تلاوة ما تيسّر من القرآن الكريم، نسي مسؤول الصوت، الميكروفون في [...]

رفيق خوري لا شيء يغطي الذهاب إلى الحد الأقصى في سياسات "عالسكين يا بطيخ". لا الشعارات الكبيرة، ولا الألاعيب الصغيرة. ومن المفارقات أن يتشدد "الثنائي الشيعي" في التمسك بالسلاح بمقدار ما يخسر الحجج والمبررات لدور السلاح. فما بقي في ترسانة "حزب الله" الخطابية دفاعًا عن ترسانته العسكرية هو العودة إلى شعاره في "غزوة" بیروت والجبل [...]

مشاري الذايدي بالنسبة للقوي، فإنّه لا يجدُ اعوجاجاً في منطق الأمور، إنْ هو ترجمَ هذه القوةَ إلى واقع مُجسّد. أمّا بالنسبة لمن هو أقلّ منه قوة – ولا أقول الضعيف – فإنَّ ذلك من دلائل الجنَف وانحرافِ الدنيا وفسادِ الزَّمان وخراب الاجتماع البشري، ولو انعكست الآية، فصار المتضجّرُ، في موقع الأقوى، لاستعمل منطقه نفسَه وتفلسف [...]

من تقلّبات الزمان هل من أمر بديهي أكثر من أن يكون للدولة الواحدة سلطة واحدة، وجيش واحد، واستراتيجية واحدة؟ وهل من دولة في العالم المعاصر، أو في أي عالم، لديها سلطتان وجيشان واستراتيجيتان مختلفتان في آنٍ معاً؟… مع ذلك، هذه المسألة الجليّة هي المسألة الكبرى التي لا حلّ لها يُرجى في «بلاد الأرز». يطالعك ليل [...]