
جمال الكشكي
السيناريوهات الطويلة، والمخططات السرية الآن، لم تعد هي الجسر الذي يمكن المرور فوقه لتدمير الدول والمجتمعات، فقد اختلفت الرواية، وبحث مؤلفوها عن سرديات جديدة، تقوم على إعلان العداء مباشرة للدولة أو النظام المستهدف.
وإنزال العقاب فوراً، وعدم مداراة الأهداف، بل إعلانها دون خوف من قانون دولي، أو مؤسسات دولية، أو قواعد للنظام العالمي، الذي بات واهناً لدرجة الاستعداد إلى الرحيل.
عرف العالم نمط الثورات الملونة، وكان المثال الصارخ فيما عرف بربيع براغ في قلب أوروبا، ذلك الربيع الذي تم استنساخه على مدى سنوات، بإسقاط أوروبا الشرقية.
عرفناه أيضاً في إقليم الشرق الأوسط، مع نهاية العشرية الأولى من الألفية الثالثة، حين اندلع ما يسمى «الربيع العربي»، تلك التسمية الغربية التي كانت وبالاً على مجتمعات ودول الإقليم العربي، ومازلنا نعاني من آثارها إلى الآن في المنطقة والإقليم.
بعد سنوات وجدنا أنفسنا في نمط آخر، نسميه «المناورات الملونة» أو المناورات الهجين بين الفوضى والتهديد بالحرب المباشرة، فقد اكتشفنا أن «ربيع براغ» أو «الربيع العربي»، أو الثورات الملونة احتاجت إلى سيناريوهات طويلة، ومناورات مفتوحة، وأزمنة ممتدة حتى تخلقت، فانفجرت في لحظة محسوبة بدقة لدى المخططين.
إن «المناورات الملونة» تتجلى فيما رأيناه في فنزويلا، فقد كانت مناورة إعلامية ودبلوماسية عالية التكثيف على مدى أشهر وسنوات، تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العاصمة الفنزويلية كاراكاس، ثم الانقضاض المباغت بكل قوة عسكرية، باستخدام جميع الأسلحة في وقت قصير.
واختطاف الرئيس الفنزويلي دون بقية النظام، وكأن المناورة عملية جراحية سريعة، تقوم بالإبقاء على جسم الدولة سليماً، وانتزاع الرأس، وهو عكس ما جرى في الثورات الملونة التي عمدت إلى تدمير مؤسسات الدول من القمة إلى القاع، وتركها في مهب الريح، وأمامنا أكثر من دولة في الإقليم العربي، لا تزال تعاني غياب مفهوم الدولة الوطنية، تلك التي تهاجم الآن بالمناورات الملونة، وهو مفهوم خطير، يختلف من مكان إلى آخر.
على سبيل المثال تبدو جزيرة «غرينلاند» هدفاً جديداً لهذه المناورة الملونة، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال إنه في حاجة إلى «غرينلاند» لحماية الأمن القومي الأمريكي، وليس من أجل المعادن النادرة، أو النفط كما قال علناً في مسألة فنزويلا.
وهنا ضربت المناورة الملونة الحليف الأوروبي الوثيق للولايات المتحدة الأمريكية في مقتل، فقد قالت رئيسة وزراء الدنمارك التابعة لها الجزيرة، التي تصل مساحتها إلى 2.1 مليون كم2، إنه في حالة ضم «غرينلاند» بالقوة، فإن حلف الناتو سينتهي عملياً، وينتهي معه التحالف الوثيق بين أمريكا وأوروبا، منذ عام 1945.
وقد نبهت مسألة «غرينلاند»، الاتحاد الأوروبي للإفاقة، فـ«غرينلاند»، تتبع الدنمارك إدارياً، وإن كانت تتمتع بحكم ذاتي عدا مسألة الدفاع والسياسة الخارجية، وبرغم أن عدد سكانها قليل، نحو 58 ألف نسمة، على هذه المساحة الشاسعة، فإنهم يرفضون الانضمام إلى أمريكا بدافع حماية الذات، كونهم شعوباً أصلية، ولديهم لغة خاصة بهم غير الدنماركية.
إنها مناورة ملونة تعد أخطر ما تعرض له الحليفان منذ ثمانين عاماً، وقد تؤدي هذه المناورة إلى نهاية تراجيدية لمفهوم الغرب وسيادته على بقية المجتمعات.
أما «المناورة الملونة» الأوضح والأخطر، فتجرى في إيران، حيث تخلط بين تقليد الثورات الملونة من حيث التظاهرات، وإحراق المؤسسات، ورفع شعارات تبدو مشروعة، لكن الرصاص الغامض والمريب يختبئ تحت عباءتها، فيسقط الناس قتلى وجرحى.
وهذا الأمر يبدو تقليدياً، كالثورات الملونة التي شاهدناها طوال الحقب الماضية، لكن ما تجلى هنا هو التصريحات المتتالية من الولايات المتحدة بالتهديد بالحرب.
وبالتالي لم تعد الفكرة ملونة كالمعتاد، بل أصبحت هجيناً من التظاهر على الأرض، والتهديد بالقصف العلني، ولم يعد هناك ما يمكن أن تخفيه الأطراف في هذه الفلسفة الملونة.
إن خطر هذه «المناورات الملونة»، أنها اختبارات سريعة لبقاء الخرائط، ومن ثم، فاللحظة تتطلب من الجميع إدراك هذا التحول العميق، وسرعة التعامل معه بأفكار قوية ومتينة وواعية، وخيال سياسي، يسبق مثل هذه «المناورات الملونة» والشرسة، التي هي هجين بين صناعة الفوضى وخلق مشروعية الاعتداء الخارجي، فالخطر الحالي يكمن في استخدام السواتر الناعمة لصناعة واستثمار الفوضى.
*نقلاً عن “البيان”.
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

عثمان ميرغني يخطئ من يظن أن إشعال أو تأجيج الحروب في بيوت الجيران يمكن أن يتمّ بلا تكلفة. فالنار، حين تُؤجَّج، لا تعترف بالحدود، ولا تميّز بين من أشعلها ومن جاورها. وما يجري في السودان اليوم يقدّم مثالاً صارخاً على خطورة التدخلات الخارجية، وترجمة عملية للتحذيرات التي انطلقت منذ بدايات الحرب بأنها لن تقف عند [...]

سمير عطا الله ليس من السهل إعادة ترميم سوريا. فالضرر الذي لحق بنسيجها الأساسي لم يبدأ بحرب البراميل التي امتدت أكثر من عقد، بل منذ بدء الصراع العابث على هويتها منذ قيام الوحدة مع مصر ثم الانفصال الصبياني، ثم مسلسل الانقلابات الرديء، ثم احتكار «البعث» للسلطة على الطريقة السوفياتية التي كانت نموذج المرحلة آنذاك. خلخلت [...]

مشاري الذايدي من يتذكّر المشهد الخالد للفنان المصري محمود عبد العزيز في فيلم «الكيت كات» وهو يجسّد دور الرجل الضرير (الشيخ حسني) الذي يتميّز بالذكاء وسرعة البديهة، وسعة الحيلة، في مشهد عزاء «عم مجاهد» بائع الفول؟ في هذا المشهد، وبعد أن انتهى المقرئ من تلاوة ما تيسّر من القرآن الكريم، نسي مسؤول الصوت، الميكروفون في [...]

رفيق خوري لا شيء يغطي الذهاب إلى الحد الأقصى في سياسات "عالسكين يا بطيخ". لا الشعارات الكبيرة، ولا الألاعيب الصغيرة. ومن المفارقات أن يتشدد "الثنائي الشيعي" في التمسك بالسلاح بمقدار ما يخسر الحجج والمبررات لدور السلاح. فما بقي في ترسانة "حزب الله" الخطابية دفاعًا عن ترسانته العسكرية هو العودة إلى شعاره في "غزوة" بیروت والجبل [...]

مشاري الذايدي بالنسبة للقوي، فإنّه لا يجدُ اعوجاجاً في منطق الأمور، إنْ هو ترجمَ هذه القوةَ إلى واقع مُجسّد. أمّا بالنسبة لمن هو أقلّ منه قوة – ولا أقول الضعيف – فإنَّ ذلك من دلائل الجنَف وانحرافِ الدنيا وفسادِ الزَّمان وخراب الاجتماع البشري، ولو انعكست الآية، فصار المتضجّرُ، في موقع الأقوى، لاستعمل منطقه نفسَه وتفلسف [...]

من تقلّبات الزمان هل من أمر بديهي أكثر من أن يكون للدولة الواحدة سلطة واحدة، وجيش واحد، واستراتيجية واحدة؟ وهل من دولة في العالم المعاصر، أو في أي عالم، لديها سلطتان وجيشان واستراتيجيتان مختلفتان في آنٍ معاً؟… مع ذلك، هذه المسألة الجليّة هي المسألة الكبرى التي لا حلّ لها يُرجى في «بلاد الأرز». يطالعك ليل [...]