
د. كريم عادل المناصرة
التاريخ الحديث يعلمنا أن أي خيار عسكري واسع في الشرق الأوسط يحمل تبعات غير متوقعة، كما أظهرت التجارب في العراق وأفغانستان وليبيا. فالخيار العسكري قد يحقق أهدافًا محدودة على المدى القصير، لكنه غالبًا ما يترك فراغًا سياسيًا واستقرارًا هشًا على المدى الطويل، ويزيد من التعقيدات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
في العراق وأفغانستان، شهد العالم كيف يمكن للحروب المكلفة أن تستنزف الموارد المالية والبشرية للولايات المتحدة، وتترك آثارًا طويلة الأمد على المجتمعات المحلية، مع تعطيل جهود البناء السياسي وإعادة الاستقرار. وقد أظهرت هذه التجارب أن أي تدخل عسكري لا يمكن أن يعتمد فقط على القوة النارية أو السيطرة الميدانية، بل يحتاج إلى استراتيجية شاملة تشمل الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
في المقابل، يظل التفاوض والدبلوماسية خيارًا مستدامًا، رغم بطئه وتعقيداته. فالدبلوماسية تتيح فرصًا لحل النزاعات بطرق تقلل من الخسائر البشرية والمادية، وتساعد على إيجاد تفاهمات تسمح بتحقيق أهداف استراتيجية على المدى الطويل. وقد أظهرت التجارب التاريخية أن النجاح في السياسة الخارجية يتطلب مزيجًا من الضغط السياسي والاقتصادي، والقدرة على الحوار مع جميع الأطراف المعنية، وعدم الانجرار إلى صدامات عسكرية قد تكون مكلفة وغير قابلة للتحكم.
اليوم، مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، تتجدد التساؤلات حول الخيار الأنسب. فالضغوط العسكرية قد تبدو وسيلة سريعة لتحقيق نتائج، لكنها تحمل مخاطر كبيرة تشمل احتمالية تصعيد العمليات العسكرية، وزيادة تهديد الملاحة في الخليج، وارتفاع أسعار النفط، وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي. وفي المقابل، توفر الدبلوماسية فرصة لتخفيف حدة النزاع، وفتح قنوات تفاوضية قد تؤدي إلى حلول محدودة لكنها فعالة، مثل تخفيف العقوبات، وإعادة فتح الممرات البحرية، وفرض رقابة على البرامج العسكرية، بما يحافظ على مصالح جميع الأطراف.
ما يجعل هذه الخيارات أكثر تعقيدًا هو أن التاريخ لا يترك مجالًا للخطأ. كل خطوة خاطئة يمكن أن تؤدي إلى سلسلة من الأحداث التي يصعب السيطرة عليها، وهو ما يعكس أهمية دراسة تجارب العراق وأفغانستان وليبيا. فإعادة السيناريو نفسه، دون الأخذ بالدروس المستفادة، قد يؤدي إلى مأزق طويل الأمد، ويضاعف من التوترات الإقليمية، ويؤثر على قدرة الولايات المتحدة على ممارسة نفوذها بشكل فعال في المنطقة.
إن السؤال الأهم ليس فقط عن الخيار العسكري أو التفاوض، بل عن قدرة الإدارة الأمريكية على تقييم الواقع الميداني والسياسي بدقة، وفهم ما يمكن تحقيقه عمليًا، وما يظل بعيد المنال. فالتاريخ يعلم أن القوة العسكرية وحدها ليست كافية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وأن السياسة الذكية والتفاوض المدروس هما السبيل لتجنب كارثة محتملة قد تهز الأمن الإقليمي والدولي.
إضافة إلى ذلك، فإن أي قرار حول إرسال القوات أو اللجوء للتفاوض يجب أن يأخذ في الاعتبار دور الحلفاء الإقليميين والدوليين، وقدرتهم على دعم أو عرقلة أي خطة. فالقواعد الأمريكية في دول الخليج، على سبيل المثال، لم تعد كما كانت في الماضي مصدر قوة مطلقة، بل باتت في بعض الحالات عبئًا سياسيًا وأمنيًا، ما يجعل أي تدخل عسكري أكثر تعقيدًا، ويزيد الحاجة لتنسيق دبلوماسي محكم قبل اتخاذ أي خطوة.
ختامًا، الخيار بين الحرب والتفاوض ليس مجرد مسألة استراتيجية أو تكتيكية، بل اختبار لقدرة صناع القرار على التعلم من التاريخ، وفهم الواقع الميداني، وتوظيف الأدوات السياسية بذكاء. فإدارة أي أزمة في الشرق الأوسط تتطلب مزيجًا من الحذر، والضغط الذكي، والمرونة الدبلوماسية، مع مراعاة العواقب المحتملة على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.
في النهاية، درس التاريخ واضح: الحرب ليست حلاً دائمًا، والتفاوض الذكي هو السبيل لتحقيق مصالح الأطراف بأقل تكلفة ممكنة. الولايات المتحدة مطالبة اليوم باتخاذ قرارات مبنية على الواقعية والتحليل العميق، لتجنب تكرار سيناريوهات العراق وأفغانستان، وحماية الأمن الإقليمي والدولي من مخاطر التصعيد العسكري غير المحسوب.

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]