تلحّ عليّ فكرة قديمة كلما دار الحديث عن الهوية الثقافية العربية الأصيلة؛ تلك الهوية التي تمثل مصدر فخر واعتزاز وانتماء إلى جذور ممتدة عبر التاريخ، وفي القلب منها دولة الإمارات العربية المتحدة. فكثيراً ما نتخذ من عناصر الهوية معايير للحكم على الأفراد والجماعات، فتتراوح مواقفنا بين التقييم والتقويم، من دون أن نتوقف دائماً عند ما تختزنه اللغة من ذاكرة تاريخية وثقافية.
ويتصل بهذا التأمل قول علمي للدكتور عبد الرحمن أيوب، رحمه الله، نقله عنه تلميذه الدكتور سعد مصلوح: «اعلم أن جديد العلم لا يأتي من العدم؛ وإنما هي معلومات تكون عادية أو بديهية، فيعمل فيها العقل بالتنظيم والربط بين المتباعدات واستنباط العلاقات المضمرة، فينشأ من ذلك الجديد». وتكمن قيمة هذا المنهج في تجاوز ظاهر الأشياء إلى ما قد تخفيه من علاقات ودلالات، وفي إعادة النظر فيما يبدو مألوفاً لاستكشاف أبعاد لم تحظَ بما تستحقه من تأمل.
من هنا تنطلق فكرتي عن الذاكرة التاريخية للمفردة القرآنية؛ فالكلمة ليست مجرد صوت أو مقابل معجمي، بل تحمل تاريخاً من الاستعمالات والدلالات التي تسهم في تشكيل هويتها اللغوية. وقد لا تنقل الترجمة جميع هذه الأبعاد بمجرد اختيار مقابل مباشر في لغة أخرى، لا لأن الترجمة عاجزة بالضرورة، بل لأن بعض الكلمات ترتبط بسياقات ثقافية وتاريخية لا يستوعبها المقابل المعجمي وحده.
وسأبدأ بلفظة «القراءة»، وهي من أكثر المفردات تداولاً في الخطاب الثقافي والعلمي.
حين نطالع ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية الصادرة عن مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، نجد في ترجمة هلالي–خان لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1) الصياغة الآتية:
“Read! In the Name of your Lord Who has created (all that exists).”
تقابل كلمة Read لفظة «اقرأ» في معناها الشائع، لكن هذا المقابل يفتح سؤالاً يتجاوز الترجمة إلى طبيعة الدلالة نفسها: هل يكفي المعنى المتداول للفظة لفهمها في سياق نزول الوحي؟ أم أن استيعابها يستدعي العودة إلى استعمالات العربية، واستحضار السياق التاريخي واللغوي الذي وردت فيه؟
تبدأ المسألة من الأمر الإلهي بالقراءة في مطلع سورة العلق، ومن الرواية المشهورة في بدء الوحي، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بقارئ». وقد فهم جمهور الشراح «ما» في هذا الموضع على النفي، فيما عرض الإمام السهيلي في كتابه الروض الأنف احتمالاً آخر، هو أن تكون «ما» استفهامية، بمعنى: «أي شيء أقرأ؟».
ويستحق هذا الاحتمال التأمل؛ إذ يفتح مجالاً للنظر في كيفية فهم العبارة في سياقها، لكنه لا يحسم وحده معنى الأمر «اقرأ»، ولا يثبت أن المقصود به «بلّغ». فهذه النتيجة تحتاج إلى أدلة لغوية وتفسيرية أوسع، وإلى موازنة دقيقة بين الروايات وأقوال العلماء وسياق الآيات.
وقد ورد في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «يا عائشة، هذا جبريل يقرئك السلام». ويكشف هذا الاستعمال عن دلالة خاصة للفعل في تركيب «يقرئك السلام»، لكنه لا يكفي بمفرده لإثبات أن «اقرأ» في مطلع سورة العلق تعني «بلّغ»؛ إذ لا بد من مراعاة اختلاف التراكيب والسياقات، وعدم نقل دلالة تركيب إلى آخر من دون دليل.
ولا يعني هذا أن المعنى المتداول للقراءة هو المعنى الوحيد الممكن في جميع الاستعمالات، أو أن التاريخ اللغوي يقدم تفسيراً بديلاً من التفسير الموروث. المقصود هو أن المفردة القرآنية تستحق قراءة تجمع بين المعنى المعجمي، والسياق، والاستعمال العربي، وما أثبته العلماء من شواهد لغوية وتاريخية.
وهذا المنهج في الاستعانة باللغة العربية وشواهدها معروف في التراث التفسيري. فقد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سأل الناس عن معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ (النحل: 47)، فذكر رجل من هذيل أن «التخوّف» يأتي في لغتهم بمعنى التنقّص، واستشهد باستعمال عربي يؤيد هذا المعنى. وتُظهر الرواية أهمية معرفة لغات العرب وشواهدهم في توسيع فهم المفردة القرآنية، وأن الشعر والاستعمال اللغوي قد يكشفان عن دلالات لا تكون مألوفة لجميع القراء.
إن الرجوع إلى التراث اللغوي لا يعني التعامل معه بوصفه نصاً مغلقاً، كما أن الاجتهاد لا يعني تجاوز ما ثبت فيه من أقوال وشواهد. وبين الأمرين مساحة للبحث المنضبط، تقوم على دقة النقل، والتحقق من الروايات، ومقارنة الشواهد، والتمييز بين ما تثبته الأدلة وما يظل احتمالاً يحتاج إلى مزيد من البرهان.
وهنا تتجلى أهمية الذاكرة التاريخية للمفردة القرآنية؛ فهي لا تعني بالضرورة وجود معنى خفي وراء كل كلمة، لكنها تساعد على استكشاف طبقات الدلالة التي قد تحجبها القراءة السريعة أو الترجمة المباشرة. ومن خلال الربط بين الاستعمال القديم والسياق القرآني وما توصل إليه البحث اللغوي، يمكن أن تتسع مساحة الفهم، وأن تتجدد الإفادة من التراث من دون إخلال بأصول التفسير.
إن جديد العلم، كما تذكّرنا النصيحة التي استهللنا بها، لا ينشأ من فراغ؛ فقد يبدأ بسؤال جديد عن نص مألوف، أو بربط شاهد لغوي بمسألة لم تحظَ بما يكفي من البحث. ومن هذا المنطلق، تظل الذاكرة التاريخية للمفردة القرآنية باباً يستحق مزيداً من الدرس والتأمل، على أمل أن تتبع هذه المحاولة قراءة أخرى لمفردة مختلفة من مفردات التنزيل.
ومع ذاكرة تاريخية للفظة لغوية في مفردة قرآنية أخرى، بمشيئة الله تعالى.
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *