في خضم التحولات الجذرية التي يشهدها عالمنا المعاصر، لم يعد تأخر الزواج وارتفاع الطلاق مجرد إحصاءات عابرة، بل مؤشرًا عميقًا على أزمة هوية تمس المجتمعات العربية، وتتفجر إشكاليات وجودية في قلب مؤسسة الأسرة. ففي عصر العولمة والتداخل الحضاري، تتعارض بنيتان: الغربية تقوم على «الفرد» كوحدة أساسية، والشرقية تقوم على «الأسرة» كخلية أولى. وهذا الاختلاف يخلق إشكاليات عندما تُسقط التشريعات والنماذج الغربية على واقعنا؛ فما يُسمى في الغرب «تحررًا اجتماعيًا» يتحول عندنا إلى «تفكك أسري»، لأن النظام الغربي صُمم لحماية الفرد في مجتمع فردي، بينما تفتقر مجتمعاتنا إلى بنى داعمة للأفراد المفككين عن أسرهم.
ولم يعد الزواج رباطًا مقدسًا بين أسرتين، بل تحوّل إلى معادلة اقتصادية فردية في مجتمع لا يدعم الأفراد. فالشباب يحسبون ربحيته وخسارته بمقاييس مادية، وكأنهم يديرون شركة استثمارية في بيئة تفتقر إلى شبكات الأمان. وقد أدى الغزو التكنولوجي ووسائل التواصل، وهي منتجات غربية فردية، إلى خلق واقع بديل يهرب إليه الشباب من مسؤوليات الأسرة، ويعزز القيم الفردية في مجتمع جماعي، ويلبي الاحتياجات العاطفية خارج الإطار الأسري، مع تراجع المهارات اللازمة لبناء أسر مستقبلية.
وتفاقمت الأزمة بسبب تشريعات مستوردة لا تراعي خصوصية الأسرة الشرقية، وغياب دور كبار العائلة وحكمائها الذين كانوا مرجعًا لحل الخلافات ولمّ الشمل وتهدئة النفوس، وتحول النموذج الأسري من كيان داعم إلى عبء في ظل أنظمة لا تدعمه، وضياع المرجعيات الأخلاقية بين القيم التقليدية والنماذج المستوردة. فقد كانت العائلة تمثل المرجعية الأولى وصمام الأمان في حفظ التوازن الأسري، والجهة التي تُدار من خلالها الخلافات بلغة الحكمة والوجدان قبل أن تتحول إلى نزاعات مفتوحة. وكان كبير العائلة، أو الجد، أو الأب، أو حكيم العشيرة، مرجعًا لتقريب وجهات النظر؛ فكلمته مسموعة، وحكمه مقبول، وسلطته أخلاقية لا رسمية. لكن هذا الدور اختفى، وهُمِّش حكماء العائلة، فلم يجد الخلاف من يحله بلغة الحكمة والعاطفة، فضاع بين من يرفع أمره إلى جهة خارجية، ومن ينكفئ على نفسه، ومن يبحث عن بديل خارج الأسرة.
وتشكل الأمراض النفسية والانهيارات العصبية بين الشباب دليلًا صارخًا على ازدواجية القيم بين التراث والحداثة، والصراع بين الولاء للأسرة والاستقلالية الفردية، والعجز عن تحمل المسؤوليات في ظل أنظمة اجتماعية مشتتة. وإذا فقد الشباب المرجعية الأسرية التي تمنحهم الأمان، وفقدوا القدرة على بناء أسرة جديدة، فهم يبحثون عن ملاذ يعوضهم عن الفراغ. وهنا تبرز المخدرات كملاذ وهمي خطير، لا سيما بين من يعانون صراع الهوية والضياع الأسري. فالمخدرات نتاج لفراغ المرجعية، وغياب الحكمة الأسرية، وانعدام شبكات الأمان. يهرب إليها الشاب من واقع لا يفهمه، وأسرة لا تحتويه، ومستقبل لا يرى فيه مكانًا. فتصبح بديلًا زائفًا عن الأسرة والحكمة والانتماء والزواج. وهكذا تدور دوامة: ضياع الأسرة يدفع إلى المخدرات، والمخدرات تعمّق الضياع وتمنع بناء أسرة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة أصيلة وعصرية: تشريعات محلية تحمي الأسرة كوحدة اجتماعية، مع الاعتراف بحقوق الأفراد، وإعادة تعريف الزواج كشراكة أسرية لا علاقة فردية، وسياسات تدعم الأسر لا الأفراد المنعزلين، وبرامج توعية توازن بين قيم الأسرة وحقوق الفرد، وإحياء دور كبار العائلة في حل الخلافات بأطر عصرية تقوم على الحكمة والتجربة لا السلطة القديمة، بحيث يستعيد الجد والأب وكبير العائلة مكانتهم كمرجعية أخلاقية. وليست أزمة الزواج سوى وجه من أزمة هوية بين التراث والحداثة؛ فمعالجتها تحتاج إلى نموذج شرقي أصيل يتعامل مع الأسرة كخلية أساسية، مع الاعتراف بمتطلبات العصر وحقوق الأفراد. فالحلول يجب أن تكون أصيلة بقدر ما هي عصرية.
وفي المحصلة، التحدي ليس في رفض الغرب أو تقليده، بل في تطوير نموذجنا الخاص الذي يحافظ على الأسرة كمنظومة داعمة، مع منح الأفراد حقوقهم بتوازن. فالفردية الغربية أنتجت تحررًا وعزلة، والأسرية الشرقية تمنح الدعم وقد تحد من الحريات. والموازنة بينهما هي التحدي الحقيقي لعصرنا.
ليست المشكلة أن نرث حلول الأجداد، بل أن نرثها ونظن أنها تصلح لواقع لم يعد يشبه واقعهم.
التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *