لا تقتصر تداعيات الحرب على أسواق النفط على ارتفاع الأسعار أو اضطراب الإمدادات؛ فهي تضع تحالف «أوبك+» أمام اختبار اقتصادي وسياسي، يتمثل في قدرة الدول المنتجة على تنسيق سياساتها عندما تتعارض مصالحها في الإيرادات وحصص الإنتاج مع الضغوط الرامية إلى استقرار السوق العالمية.
فارتفاع الأسعار الناجم عن المخاطر الجيوسياسية قد يعزز الإيرادات التي تحققها الدول المصدرة، لكنه لا يضمن مكاسب مستدامة إذا تعطل الإنتاج أو النقل، أو أدت تكاليف الطاقة المرتفعة إلى إضعاف الطلب العالمي. وتزداد هذه المعادلة تعقيدًا عندما ترتفع تكاليف الشحن والتأمين، لأن النفط المتوافر لدى المنتجين لا يؤدي دوره في السوق إذا تعذر نقله إلى المستهلكين.
وفي هذا السياق، نقلت رويترز في أكتوبر/تشرين الأول تحذيرات مرتبطة بارتفاع تكاليف تجارة الطاقة والضغوط التضخمية. ويضع ذلك المنتجين أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على إيرادات النفط من جهة، وتجنب اضطرابات طويلة الأمد في الطلب والإمدادات من جهة أخرى.
السعودية وروسيا.. مصالح مشتركة وحسابات مختلفة
تمثل السعودية وروسيا قوتين مؤثرتين في «أوبك+»، لكن مصالحهما ليست متطابقة بالضرورة. فالرياض تؤدي دورًا محوريًا في تنسيق سياسة الإنتاج داخل أوبك، فيما تمنح مشاركة موسكو التحالف امتدادًا إلى أحد أكبر المنتجين من خارج المنظمة.
وتعتمد قدرة السعودية على التأثير في السوق على مستويات الإنتاج المتاحة وقراراتها بشأن المعروض، إلى جانب دورها في بناء التوافق بين الأعضاء. أما روسيا، فيرتبط موقفها بمستويات إنتاجها وصادراتها، وبالقيود التي تواجهها نتيجة العقوبات والظروف اللوجستية.
وقد تتقاطع مصالح البلدين عندما يسعى المنتجون إلى تجنب تقلبات حادة في الأسعار، لكن الحرب قد تفرض عليهما خيارات مختلفة. فإذا تراجعت الإمدادات من منطقة الخليج، فقد ترتفع أهمية النفط القادم من مصادر أخرى، بما فيها روسيا. غير أن ذلك لا يعني أن موسكو قادرة تلقائيًا على تعويض أي نقص؛ فالأمر يتوقف على حجم الإنتاج المتاح، وقدرة التصدير، والبنية التحتية، والقيود المفروضة على تجارتها.
وتوضح بيانات سبتمبر حجم التفاوت بين ظروف المنتجين. فقد ارتفع إنتاج أوبك+ بنحو 900 ألف برميل يوميًا إلى متوسط 39.07 مليون برميل يوميًا، مدفوعًا بصورة رئيسية بزيادة الإنتاج السعودي، في حين تراجع الإنتاج الروسي، وفق بيانات أوردتها رويترز نقلًا عن تقرير أوبك الشهري.
وتكشف هذه الأرقام أن تحركات الإنتاج لا تسير بالضرورة في اتجاه واحد، وأن ارتفاع أسعار النفط لا يعني أن جميع الأعضاء يمتلكون القدرة نفسها على زيادة الإمدادات. كما ينبغي التمييز بين الإنتاج الفعلي، والحصص المتفق عليها، والكميات التي تصل إلى الأسواق.
واشنطن وأسعار النفط.. معادلة تتجاوز زيادة الإنتاج
قد يتحول ارتفاع أسعار النفط إلى مصدر ضغط سياسي على الدول المنتجة، إذا انعكس على أسعار الوقود والتضخم في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات الكبرى. وفي مثل هذه الظروف، قد تتزايد الدعوات إلى زيادة الإمدادات أو اتخاذ خطوات تحد من تقلبات السوق.
لكن زيادة الإنتاج ليست قرارًا منفصلًا عن ظروف السوق. فهي ترتبط بوجود طاقة إنتاجية متاحة، وقدرة على نقل النفط، واستعداد بقية أعضاء التحالف للمشاركة في أي تعديل للسياسة الإنتاجية.
وهنا تظهر إحدى المسائل التي قد تختبر التنسيق السعودي الروسي: كيف يتصرف التحالف إذا رأى بعض أعضائه أن زيادة الإنتاج ضرورية لاحتواء ارتفاع الأسعار، بينما يفضل آخرون الإبقاء على سياسة أكثر تحفظًا؟
لا يعني هذا السيناريو أن خلافًا قائمًا بين الرياض وموسكو، لكنه يوضح أن التوافق داخل «أوبك+» يتطلب موازنة مصالح متفاوتة. فالسعودية تحتاج إلى مراعاة استقرار السوق وإيراداتها النفطية ودورها في التنسيق بين المنتجين، فيما تسعى روسيا إلى حماية عائداتها والحفاظ على موقعها في سوق الطاقة.
كذلك، لا تضمن زيادة الإنتاج وحدها انخفاض الأسعار إذا كان الاضطراب ناتجًا عن تعطل الشحن أو إغلاق طرق التصدير أو ارتفاع تكاليف التأمين. فمعالجة نقص الإمدادات المتاحة للمستهلكين تتطلب النظر إلى النقل والتوزيع، وليس إلى حجم الإنتاج فقط.
خروج الإمارات يعيد تشكيل حسابات المنتجين
أعلنت الإمارات في أبريل 2026 خروجها من منظمة أوبك وتحالف أوبك+، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في الأول من مايو/أيار، وفق التقارير المنشورة آنذاك.
ويضيف هذا التطور عنصرًا جديدًا إلى حسابات سوق النفط، لكنه لا يعني تلقائيًا أن التنسيق السعودي الروسي سيزداد أو أن نفوذ البلدين سيتوسع. فمستقبل التحالف يعتمد على قرارات الأعضاء المتبقين، ومدى التزامهم بالتفاهمات الإنتاجية، وقدرتهم على التوصل إلى تسويات عندما تتباين احتياجاتهم.
كما أن تقييم أثر خروج الإمارات يتطلب التمييز بين عضويتها السابقة في التحالف ودورها الأوسع في سوق الطاقة. فقرارات الإنتاج والتصدير بعد الخروج قد تؤثر في توازنات






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *