الرئيسية/مقالات/من المنتصر؟ الصحراء الغربية
مقالات

من المنتصر؟ الصحراء الغربية

بعد خمسة وثلاثين عاماً من حضور الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، تنتهي مهمة «مينورسو» فيما لا يزال النزاع مفتوحاً على احتمالات متعددة.

بعد خمسة وثلاثين عاماً من حضور الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، تنتهي مهمة «مينورسو» فيما لا يزال النزاع مفتوحاً على احتمالات متعددة. مشهد يحمل مفارقة سياسية تستحق التأمل: بعثة أُنشئت لمساعدة الأطراف على بلوغ تسوية نهائية، تغادر المشهد من دون أن يتحقق الهدف الذي قامت من أجله. وهنا يبرز السؤال: من المنتصر في هذه المعادلة، المغرب أم جبهة البوليساريو، أم أن الجميع خسروا فرصة تاريخية للخروج من دائرة الصراع؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن المغرب خرج بمكاسب سياسية ودبلوماسية مهمة، خصوصاً مع تنامي التأييد الدولي لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتحوله إلى محور أساسي في النقاش بشأن مستقبل الإقليم. وهذه مكاسب لا يمكن التقليل من أهميتها، لأنها تعكس نجاحاً في توسيع الحضور الدبلوماسي المغربي وتعزيز موقعه في المعادلة الدولية. لكن تحويل هذا التقدم إلى تسوية نهائية يظل رهناً بالانتقال من كسب المواقف الدولية إلى بناء توافق سياسي قابل للاستمرار.

في المقابل، استطاعت جبهة البوليساريو المحافظة على حضورها السياسي وعلى تمسكها بمطلب تقرير المصير، رغم التحولات التي شهدتها مواقف عدد من الدول. غير أن استمرار القضية من دون حل طوال عقود لا يمكن اعتباره انتصاراً في حد ذاته؛ فالصمود السياسي لا يكفي إذا لم يفتح أفقاً لإنهاء النزاع وتحقيق تطلعات السكان.

أما الجزائر، فلا يمكن تجاوز دورها عند قراءة المشهد أو استشراف مآلاته. فهي طرف محوري في المعادلة الإقليمية، بحكم دعمها السياسي والدبلوماسي لجبهة البوليساريو، وتمسكها بموقفها المعلن الداعي إلى تقرير المصير. وفي المقابل، يعتبر المغرب أن الدور الجزائري يتجاوز حدود المساندة السياسية إلى التأثير المباشر في مسار النزاع.

وبغض النظر عن اختلاف توصيف الطرفين لهذا الدور، فإن أي مقاربة واقعية للتسوية لا تستطيع تجاهل الجزائر، مثلما لا يمكن تجاوز المغرب أو جبهة البوليساريو أو تطلعات سكان الإقليم. فالقضايا التي تتداخل فيها الحسابات الإقليمية لا تُحل بمعزل عن الأطراف المؤثرة فيها، ولا تكفي فيها المكاسب الدبلوماسية وحدها لصناعة سلام دائم.

ولعل الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هو المشروع المغاربي نفسه. فمنذ عقود، ظلت قضية الصحراء الغربية أحد أبرز العوائق أمام بناء علاقات طبيعية بين المغرب والجزائر، وتراجعت معها فرص التكامل الاقتصادي والتعاون الأمني والسياسي. وفي منطقة تواجه تحديات متصاعدة، من اضطرابات الساحل إلى التحولات الاقتصادية والتنافس الدولي، يصبح استمرار القطيعة عبئاً يتجاوز حدود البلدين ليطال مستقبل المنطقة بأكملها.

إن المفارقة أن المغرب والجزائر يمتلكان من الإمكانات البشرية والاقتصادية والجغرافية ما يؤهلهما لبناء أحد أهم التكتلات الإقليمية في العالم العربي والإفريقي، لكن الخلاف السياسي يحول دون استثمار هذه المقومات. وهكذا، تتحول قضية يفترض أن تجد طريقها إلى تسوية تفاوضية إلى حاجز أمام مستقبل مشترك، وتصبح كلفة استمرارها أكبر من حدود الإقليم المتنازع عليه.

لكن وسط هذه الحسابات السياسية والإقليمية، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: من يدفع ثمن استمرار النزاع؟ الإجابة لا تحتاج إلى كثير من التأمل؛ إنها شعوب المنطقة التي وجدت نفسها رهينة خلافات سياسية تجاوز عمرها أجيالاً. فالمواطن المغربي والجزائري والصحراوي لا يحتاج إلى انتصار دبلوماسي جديد بقدر حاجته إلى فرص العمل والتنمية والاستقرار، وإلى منطقة مفتوحة على التعاون بدلاً من أن تظل أسيرة القطيعة والتوجس المتبادل. وبينما تنشغل الأطراف بحسابات المكاسب والخسائر، تتبدد فرص اقتصادية وتنموية كان يمكن أن تغير واقع ملايين البشر. وهنا تكمن الخسارة الحقيقية: أن تتحول قضية سياسية لم تجد طريقها إلى الحل إلى عبء على مستقبل شعوب لا ينبغي أن تدفع ثمن خلافات لم تصنعها.

أما انتهاء مهمة «مينورسو»، فلا ينبغي قراءته باعتباره انتصاراً لطرف أو هزيمة لآخر. فغياب البعثة لا يحسم مسألة السيادة، ولا يسقط المطالب السياسية، لكنه يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية البحث عن صيغة جديدة تمنع تحول الفراغ الميداني إلى مصدر للتصعيد. كما أن تعثر مجلس الأمن في التوافق على مستقبل البعثة يكشف عمق الانقسام الدولي بشأن طبيعة الحل، ويؤكد أن القضية لم تعد محكومة بحسابات الأطراف وحدها، بل بتوازنات دولية متغيرة أيضاً.

لقد أثبتت التجربة أن إدارة النزاع ليست بديلاً عن حله، وأن استمرار آليات المراقبة، مهما طال، لا يصنع سلاماً من تلقاء نفسه. وفي المقابل، فإن التخلي عن هذه الآليات من دون توفير بدائل سياسية وأمنية قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر هشاشة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات وغياب الثقة بين الأطراف.

من هنا، لا يبدو السؤال الحقيقي هو من انتصر، بل من يمتلك الشجاعة السياسية للانتقال من منطق تسجيل النقاط إلى منطق التسوية. فالمغرب يحتاج إلى تحويل مكاسبه الدبلوماسية إلى حل مستدام، والبوليساريو مطالبة بالتعامل مع التحولات السياسية بواقعية تفتح أفقاً تفاوضياً، والجزائر مدعوة إلى الإسهام في تهيئة الظروف الإقليمية التي تجعل التسوية ممكنة.

إن الانتصار الذي يستحق اسمه ليس عدد الدول المؤيدة لهذا الطرف أو ذاك، ولا القدرة على إطالة أمد النزاع، بل الوصول إلى صيغة سياسية تنهي حالة الانتظار، وتحفظ الكرامة والحقوق، وتؤسس لاستقرار يتيح لسكان الإقليم بناء مستقبلهم.

بعد خمسة وثلاثين عاماً، لا تحتاج الصحراء الغربية إلى مرحلة جديدة من إدارة الخلاف، بل إلى إرادة سياسية تنهي أسبابه. فالتاريخ لا يمنح صكوك الانتصار لمن يطيل المعارك، وإنما لمن يمتلك القدرة على إنهائها.

وفي معركة الصحراء الغربية، قد يربح طرف جولة سياسية، لكن المغرب العربي بأكمله لن ينتصر إلا عندما يصبح السلام ممكناً.

"
“بعد خمسة وثلاثين عاماً من حضور الأمم المتحدة في الصحراء الغربية، تنتهي مهمة «مينورسو» فيما لا يزال النزاع مفتوحاً على احتمالات متعددة. مشهد يحمل مفارقة سياسية تستحق التأمل: بعثة أُنشئت لمساعدة الأطراف على بلوغ تسوية نهائية، تغادر المشهد من دون أن يتحقق الهدف الذي قامت من أجله. وهنا يبرز السؤال: من المنتصر في هذه المعادلة،”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
المثقف سجين القناعة.. والفيلسوف عابد الحقيقة

المثقف سجين القناعة.. والفيلسوف عابد الحقيقة

يسعى المثقف غالباً إلى تثبيت قناعاته، بينما ينطلق الفيلسوف في بحثه عن الحقيقة. وهنا المفارقة الجوهرية؛ فالثقافة، في أطيافها، تخدم فكراً أو أيديولوجيا معينين، يسعى حاملها إلى ترسيخهما. لكن هذه المعركة بين التثبيت والبحث تفضي إلى سؤال أعمق: أيُّ المسارين يعبر عن جوهر العبادة الحقيقية للوجود؟ أهو التمسك بالقناعة أم الشغف بالسؤال؟ المثقف، في تجلياته،

د. طلال الخزرجي
الاثنين، ٢ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
القيادة الإيرانية بين الوهم والواقع

القيادة الإيرانية بين الوهم والواقع

وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بلاده بأنها دولة كبيرة مجاورة، ضمن رده على التصريح والموقف الإماراتي الكندي بشأن الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران منذ العام 1971، بالنسبة لي إنكار السيادة والحقوق الإماراتية في جزرها المحتلة ليس بغريب على القيادة الإيرانية فهو موقف متكرر تعودنا عليه، لكن التطرق لحجم الدولة في سياق الحديث عن

عبدالعزيز سلطان المعمري
الأحد، ١ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
للذكاء الاصطناعي وجهان.. وهذا وجهه المضيء

للذكاء الاصطناعي وجهان.. وهذا وجهه المضيء

نفهم من التقرير الصحافي الذي نشرته صحيفة «هلسنكي تايمز» الفنلندية، أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين الأطفال والشباب في فنلندا، في تزايد يوماً بعد يوم. فهذا ما تقول به استطلاعات الرأي هناك، وهذا ما تقوله دارسات واستقصاءات قامت بها مؤسسة الأطفال الفنلندية. ولكن الموضوع له خلفية لا بد أن نراها، لأنه مرتبط في ما يظهر

سليمان جودة
الأحد، ١ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
لا ينبغي للأزهر أن تصبح دالة على البدع 2/2

لا ينبغي للأزهر أن تصبح دالة على البدع 2/2

قضية مؤتمر غروزني في الشيشان في 1437/11/21 للهجرة يوافقه 2016 من أبرز الوقائع التي أثارت خلافًا واسعًا بشأن تعريف أهل السنة والجماعة وموقع السلفيين منهم. ففي ذي القعدة 1437 شارك شيخ الأزهر في افتتاح مؤتمر بعنوان «من هم أهل السنة والجماعة؟»، وألقى كلمة تناولت مفهوم أهل السنة، وأكدت مكانة الأشعرية والماتريدية، وانتقدت الاتجاهات التكفيرية؛ كما

محمد السعيدي
الأحد، ١ نوفمبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة