لم تعد غزة خبراً عاجلاً، ولا تتصدر نشرات الأخبار ومنصات التواصل كما كانت في ذروة المأساة. انحسرت صورها عن الشاشات، وانتقلت الكاميرات إلى أزمات أخرى، وانشغل العالم بقضايا جديدة. لكن شيئاً واحداً لم يتغير: غزة ما زالت تنزف، وأهلها ما زالوا يواجهون الجوع والتشرد والبرد، كأن المأساة لم تجد بعد طريقاً إلى نهايتها.
لقد خرجت غزة من الترند، لكنها لم تخرج من الكارثة.
في الخيام التي لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، تحاول عائلات نازحة أن تصنع ما يشبه الحياة وسط الخراب. أمهات يبحثن عن لقمة لأطفالهن، وآباء أنهكهم العجز، وأطفال لم تعد أحلامهم تتجاوز الحصول على وجبة، أو النوم في مكان جاف وآمن. ومع هطول الأمطار، تتحول الخيام إلى مساحات للمعاناة، وتتسلل المياه إلى الأغطية والفرش، فيجد النازحون أنفسهم أمام معركة جديدة، عنوانها النجاة من البرد.
ليس في ذلك ما يشبه عودة الحياة إلى طبيعتها، مهما تراجعت الأخبار عن غزة، ومهما خفتت أصوات المتضامنين معها.
المفارقة أن مأساة غزة لم تعد تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، لا لأن أسبابها انتهت، بل لأن العالم اعتاد مشاهدها. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الأزمات الممتدة: أن يتحول الألم المتكرر إلى مشهد مألوف، وأن تفقد صور الضحايا قدرتها على استنفار الضمير العام، وأن تصبح المعاناة أقل حضوراً كلما طال أمدها.
في زمن المنصات الرقمية، يبدو أن المأساة تخضع بدورها لقواعد الترند؛ تصعد حين تكون صادمة وجديدة، وتتراجع حين تتكرر، بصرف النظر عن استمرار أسبابها. وكأن قيمة الحدث تُقاس بقدرته على جذب الانتباه، لا بحجم ما يخلفه من خسائر إنسانية. وهكذا يصبح غياب الخبر عن الشاشة، في نظر البعض، مؤشراً مضللاً على انحسار المأساة.
لكن غزة تقدم دليلاً يومياً على عكس ذلك. فالمنازل التي دُمرت لا تعود بمجرد انصراف الكاميرات، والأطفال الذين حُرموا من مدارسهم لا يستعيدون سنواتهم الضائعة، والجائعون لا يجدون الطعام لأن العالم انتقل إلى خبر آخر. ما يتراجع هو حضور المأساة في الوعي الإعلامي، لا آثارها في حياة الناس.
ولا تقتصر المسؤولية هنا على وسائل الإعلام، وإن كان عليها واجب مهني وأخلاقي في مواصلة متابعة الأزمات الإنسانية، وعدم التعامل معها باعتبارها مادة إخبارية موسمية. فالمطلوب ليس تكرار الصور ذاتها، بل متابعة ما وراءها: أوضاع المدنيين، واحتياجات النازحين، ومسارات المساعدات، ومستقبل إعادة الإعمار، ومدى الالتزام بحماية السكان.
كما أن الحكومات والمؤسسات الدولية مطالبة بألا تجعل الاستجابة الإنسانية رهينة لتقلبات الاهتمام السياسي والإعلامي. فحياة المدنيين لا ينبغي أن تخضع لمواسم التعاطف، وحق الإنسان في الغذاء والدواء والمأوى لا يفقد قيمته عندما يتراجع حضوره على منصات التواصل.
ليس مطلوباً من العالم أن يتوقف عن متابعة أزماته الأخرى، لكن المطلوب ألا تتحول تعددية الأزمات إلى ذريعة لنسيان واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاماً. فالتعاطف الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاركات والتعليقات، بل بقدرته على الاستمرار والتحول إلى فعل وموقف ومسؤولية.
غزة لا تحتاج إلى أن تعود ترند، بقدر ما تحتاج إلى أن تعود الحياة إلى أهلها. تحتاج إلى مأوى يحمي أطفالها، وغذاء يسد جوعهم، ودواء يخفف آلامهم، وأفق يعيد إليهم شيئاً من الأمان والكرامة.
وربما لم يعد السؤال الأهم: لماذا غابت غزة عن الترند؟ بل كيف استطاع العالم أن يعتا

التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *