
على مدى نحو عقدين، مرّ الصراع في اليمن بمراحل متعاقبة ومختلفة في طبيعتها وأطرافها، بدأت بحروب داخلية بين الحكومة اليمنية والحوثيين، ثم امتدت إلى الحدود السعودية في عام 2009، قبل أن تتحول، بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، إلى حرب إقليمية واسعة عقب تدخل تحالف تقوده السعودية في مارس 2015.
وخلال هذه السنوات، لم يعد الصراع مواجهة مباشرة بين طرفين فقط، بل تشابكت فيه قوى محلية وإقليمية، وبرزت القضية الجنوبية، واتسعت علاقة الحرب بأمن البحر الأحمر وباب المندب والممرات البحرية الدولية.
ومع عودة التصعيد العسكري في 2026، يدخل اليمن مرحلة جديدة في مسار صراع لم يصل إلى تسوية نهائية رغم سنوات من القتال والمفاوضات والهدن. وبينما لا تزال جهود السلام متعثرة، أصبحت الحدود السعودية والممرات البحرية جزءًا مباشرًا من الحسابات الأمنية والعسكرية، في وقت تختلف فيه خريطة القوى داخل اليمن عمّا كانت عليه عند اندلاع الحرب الإقليمية في 2015.
2008.. حروب صعدة قبل المواجهة السعودية
عام 2008 لم يكن بداية الحرب السعودية في اليمن، بل شهد الجولة الخامسة من حروب صعدة بين الحكومة اليمنية والحوثيين. وتعود جذور النزاع المسلح بين الطرفين إلى عام 2004، عندما اندلعت أولى جولات القتال في محافظة صعدة شمال اليمن، قبل أن تبدأ الجولة الخامسة في مايو/أيار 2008 وتستمر حتى إعلان الرئيس علي عبدالله صالح وقف القتال في 17 يوليو من العام نفسه، وفق ما وثقت هيومن رايتس ووتش.
وأدت تلك الحرب إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، فيما وثقت منظمات حقوقية اعتقالات وانتهاكات وقيودًا على وصول المساعدات والصحفيين إلى مناطق القتال. وفي تلك المرحلة كان الصراع، في جوهره، نزاعًا يمنيًا داخليًا، ولم تكن السعودية قد دخلت الحرب بصورة مباشرة.
2009.. انتقال الصراع إلى الحدود السعودية
في أغسطس 2009 اندلعت الجولة السادسة والأشد من حروب صعدة، ومع تصاعد القتال امتدت المواجهة إلى الحدود السعودية. وفي نوفمبر من العام نفسه، تدخلت السعودية عسكريًا بعد هجمات وعمليات عبر الحدود قالت الرياض إنها نُفذت من جانب الحوثيين.
ووثقت هيومن رايتس ووتش استخدام القوات السعودية الغارات الجوية في شمال اليمن، إلى جانب إقامة منطقة عازلة على طول الحدود، كما أشارت إلى نزوح واسع للسكان خلال الجولة السادسة. وانتهت تلك المرحلة بوقف لإطلاق النار في فبراير/شباط 2010. وكان ذلك أول تحول رئيسي في طبيعة النزاع، إذ أصبح الصراع الحوثي-اليمني مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن الحدود السعودية، وإن ظل مختلفًا عن الحرب الإقليمية الواسعة التي بدأت بعد خمس سنوات.
2011.. الانتفاضة وسقوط نظام صالح
أحدثت احتجاجات 2011 تحولًا سياسيًا كبيرًا في اليمن، وفي نوفمبر من العام نفسه وقع الرئيس علي عبدالله صالح والمكونات السياسية الرئيسية المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، التي قادت إلى انتقال السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي، ضمن مرحلة انتقالية هدفت إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وتنظيم حوار وطني.
لكن المرحلة الانتقالية واجهت خلافات واسعة حول شكل الدولة وتقاسم السلطة وإعادة هيكلة القوات المسلحة والقضية الجنوبية، بالتزامن مع استمرار التوتر مع الحوثيين. وبحسب مكتب الأمم المتحدة للمبعوث الخاص إلى اليمن، تصاعد العنف في منتصف 2014 بعدما تعثرت ترتيبات سياسية مرتبطة بالدستور وتقاسم السلطة، بينما توسع الحوثيون عسكريًا وسيطروا على صنعاء وأجزاء أخرى من البلاد في سبتمبر 2014.
2014.. سقوط صنعاء
في 21 سبتمبر 2014 سيطر الحوثيون وحلفاؤهم على صنعاء، رغم توقيع اتفاق «السلم والشراكة الوطنية» بين القوى السياسية. ثم تصاعدت المواجهة في يناير/كانون الثاني 2015 عندما سيطر الحوثيون على القصر الرئاسي ووضعوا الرئيس هادي تحت الإقامة الجبرية، قبل أن يغادر إلى عدن.
ومع تقدم الحوثيين جنوبًا باتجاه عدن، تحولت الأزمة السياسية إلى صراع مفتوح على مستقبل الدولة اليمنية. وتشير الأمم المتحدة إلى أن المفاوضات التي جرت في تلك المرحلة لم تتمكن من وقف التصعيد العسكري، بينما توسع نفوذ الحوثيين في أجزاء كبيرة من البلاد.
2015.. تدخل التحالف بقيادة السعودية
في 26 مارس 2015 بدأت السعودية عملية عسكرية في اليمن بعد طلب من حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي. وأكدت الأمم المتحدة آنذاك أن السعودية أعلنت بدء العمليات بناءً على طلب الحكومة اليمنية، وأن دولًا أخرى دعمت العملية، فيما شدد الأمين العام للأمم المتحدة على ضرورة حماية المدنيين وعودة الأطراف إلى المفاوضات.
وضم التحالف في بدايته السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر ومصر والأردن والمغرب والسودان ودولًا أخرى، بينما قدمت الولايات المتحدة دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا للقوات المشاركة، لكنها لم تكن عضوًا في التحالف نفسه. وكان الهدف المعلن للتحالف دعم الحكومة اليمنية ومنع الحوثيين من السيطرة على البلاد، غير أن العملية العسكرية لم تنتج حسمًا سريعًا، وتحولت المواجهة تدريجيًا إلى حرب طويلة متعددة الجبهات.
حرب متعددة الأطراف
مع مرور السنوات، لم يعد المشهد مقتصرًا على الحوثيين والحكومة اليمنية والتحالف الذي تقوده السعودية، إذ ظهرت قوى محلية متعددة، بينها المجلس الانتقالي الجنوبي، وتزايد التنافس حول مستقبل جنوب اليمن، كما نشطت جماعات مسلحة أخرى بينها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وتنظيم الدولة الإسلامية.
وبحسب الأمم المتحدة، استغلت جماعات مسلحة حالة الفوضى لتعزيز نشاطها في مناطق مختلفة، بينما أصبح الحوثيون طرفًا مسلحًا يسيطر على مناطق واسعة من شمال وغرب اليمن، في حين حافظت القوات الحكومية والقوى المحلية المتحالفة معها على مناطق واسعة في الجنوب والشرق. ولهذا فإن وصف الحرب بأنها مجرد «حرب السعودية والحوثيين» لا يعكس كامل تركيبتها.
الحرب والجانب الإنساني
شهدت الحرب غارات جوية ومعارك برية وقصفًا صاروخيًا ومدفعيًا، وأدت إلى خسائر بشرية وأضرار كبيرة في البنية التحتية. ووثقت هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى انتهاكات للقانون الدولي الإنساني من جانب أطراف مختلفة، بينها ضربات ألحقت أضرارًا بالمدنيين والمنشآت المدنية، إلى جانب هجمات حوثية على مناطق مأهولة.
لكن حجم الكارثة الإنسانية يتجاوز أرقام القتلى والجرحى المباشرين. فالأمم المتحدة تتوقع أن يحتاج أكثر من 22 مليون شخص إلى المساعدات والحماية في اليمن خلال 2026، بينما يعاني نحو 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ولا تعمل بكامل طاقتها سوى نسبة محدودة من المرافق الصحية. وهذا يعني أن استمرار الحرب أو عودتها إلى مستويات مرتفعة لا يمثل مشكلة أمنية فحسب، بل يهدد بلدًا يعاني أصلًا من تدهور اقتصادي وخدماتي واسع.
2017.. الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين
في يونيو 2017 خرجت قطر من التحالف العسكري بالتزامن مع الأزمة الخليجية، وبعد ذلك بعامين، في أغسطس 2019، اندلعت مواجهات في عدن بين القوات الحكومية والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات. وأظهرت هذه المعارك أن القوى المناهضة للحوثيين لم تكن صاحبة رؤية واحدة بشأن مستقبل اليمن، وأن الخلافات لم تكن محصورة في العلاقة بين الحوثيين والحكومة.
وفي نوفمبر 2019، وقعت الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي اتفاق الرياض برعاية سعودية بهدف إعادة ترتيب المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية في الجنوب. لكن الاتفاق لم يحل جميع الخلافات، وبقي مستقبل الجنوب عنصرًا أساسيًا في أي تسوية شاملة.
2018.. الحديدة واتفاق ستوكهولم
تحولت الحديدة إلى واحدة من أهم جبهات الحرب في 2018، وكان الميناء شريانًا رئيسيًا لدخول الغذاء والوقود والمساعدات إلى اليمن، ولذلك حذرت الأمم المتحدة من تداعيات معركة واسعة داخل المدينة. وبعد مفاوضات في السويد، توصلت الأطراف في ديسمبر 2018 إلى اتفاق ستوكهولم الذي شمل وقف إطلاق النار في الحديدة وإعادة انتشار القوات، إلى جانب تفاهمات حول الأسرى وتعز.
لم ينه الاتفاق الحرب، لكنه حال دون اندلاع معركة واسعة في أحد أهم المراكز السكانية والاقتصادية في البلاد، وأصبح أحد أبرز الأمثلة على قدرة المسار التفاوضي على احتواء بعض أخطر جبهات الصراع، من دون أن يؤدي ذلك إلى تسوية شاملة.
2020 و2021.. مأرب وحرب الاستنزاف
استمر القتال خلال 2020 و2021 على جبهات متعددة، أبرزها مأرب وتعز والجوف والساحل الغربي. وكانت مأرب ذات أهمية خاصة بسبب موقعها ومواردها النفطية والغازية، إضافة إلى كونها أحد أهم معاقل الحكومة اليمنية.
وفي تلك المرحلة أصبح الاقتصاد جزءًا من الحرب نفسها؛ فالنفط والموانئ والطرق والإيرادات والمؤسسات المالية تحولت إلى أدوات ضغط وتفاوض إلى جانب العمليات العسكرية. ومع غياب أي طرف قادر على فرض سيطرة كاملة على البلاد، أخذ الصراع شكل حرب استنزاف طويلة أكثر من كونه معركة تتجه إلى حسم واضح.
2022.. الهدنة التي خففت القتال
في 2 أبريل 2022 دخلت هدنة توسطت فيها الأمم المتحدة حيز التنفيذ، واتفق الأطراف على وقف العمليات الهجومية الجوية والبرية والبحرية داخل اليمن وعبر الحدود، إلى جانب السماح بدخول سفن الوقود إلى ميناء الحديدة وتسيير رحلات تجارية من مطار صنعاء والعمل على فتح الطرق في تعز ومناطق أخرى.
وجرى تمديد الهدنة مرتين، قبل انتهائها رسميًا في أكتوبر 2022 من دون اتفاق جديد. ومع ذلك، قالت الأمم المتحدة إن الأشهر الستة التي أعقبت بدء الهدنة شهدت أطول فترة من الهدوء النسبي منذ بداية الحرب، مع انخفاض كبير في العنف والضحايا المدنيين وعودة الرحلات التجارية من مطار صنعاء. أثبتت تلك المرحلة أن خفض العنف ممكن حتى من دون سلام شامل، لكنها أظهرت أيضًا أن الهدوء العسكري لا يساوي بالضرورة تسوية سياسية.
2023.. التفاوض ينتقل إلى الواجهة
مع استمرار الهدوء النسبي، تحولت الدبلوماسية إلى المسار الأكثر أهمية. وفي سبتمبر 2023 زار وفد حوثي الرياض لإجراء محادثات مع المسؤولين السعوديين، في تطور عكس انتقال العلاقة من المواجهة العسكرية المباشرة إلى التفاوض.
وفي ديسمبر 2023، أعلن المبعوث الأممي هانس غروندبرغ أن الأطراف التزمت مجموعة من الإجراءات تمهيدًا لخارطة طريق شملت وقفًا شاملًا لإطلاق النار، ودفع رواتب القطاع العام، واستئناف صادرات النفط، وفتح الطرق وتخفيف القيود على مطار صنعاء وميناء الحديدة. وشكر غروندبرغ السعودية وسلطنة عمان على دعمهما لهذا المسار، الذي عُد من أكثر المسارات اقترابًا من تسوية منذ بداية الحرب، قبل أن تعيد التطورات الإقليمية ترتيب الأولويات.
أواخر 2023 و2024.. البحر الأحمر يدخل الحرب
بعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، بدأ الحوثيون مهاجمة سفن تجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، وقالت الجماعة إن هجماتها مرتبطة بالحرب في غزة. وسرعان ما تحول الملف إلى أزمة دولية، إذ أدان مجلس الأمن هجمات الحوثيين على الملاحة، ثم بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا شن ضربات على أهداف حوثية داخل اليمن في يناير 2024.
وفي فبراير 2024 أطلق الاتحاد الأوروبي عملية «أسبيدس» الدفاعية لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن. وقال المبعوث الأممي إن التطورات في البحر الأحمر والتصعيد الإقليمي جعلا بيئة الوساطة أكثر تعقيدًا، رغم التقدم الذي كان قد تحقق في المسار اليمني. وهكذا لم يعد اليمن ملفًا داخليًا وإقليميًا فحسب، بل أصبح جزءًا من أمن التجارة الدولية والممرات البحرية.
2025.. وقف أمريكي مع الحوثيين
في مايو 2025، أعلنت سلطنة عمان التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة والحوثيين. وأفادت رويترز بأن الاتفاق أوقف الضربات الأمريكية على الحوثيين مقابل وقف الجماعة استهداف السفن الأمريكية في البحر الأحمر، لكنه لم يكن اتفاق سلام شاملًا ينهي النزاع اليمني الداخلي أو التسوية بين الحوثيين والحكومة والسعودية.
وبذلك بقيت الحرب اليمنية من دون حل نهائي، رغم توقف بعض مسارات المواجهة الخارجية، وظلت القضايا الأساسية المتعلقة بالسلطة والموارد ومستقبل الدولة اليمنية مفتوحة.
2026.. عودة التصعيد العسكري
في 2026 عاد التصعيد إلى اليمن والسعودية بعد فترة طويلة من الانخفاض النسبي في مستوى العنف. وفي سبتمبر، قالت رويترز إن الحوثيين تقدموا في مناطق مرتفعة في تعز ولحج بهدف تثبيت مواقع استراتيجية يمكن أن تؤثر في خطوط القوات المدعومة من السعودية باتجاه ساحل البحر الأحمر، بعد سيطرتهم على مناطق ساحلية في غرب البلاد.
وتقول رويترز إن هذا التطور ترافق مع خسائر ونزوح واسع النطاق، فيما قدرت الأمم المتحدة أعداد النازحين بأكثر من 130 ألف شخص خلال التصعيد الأخير في ذلك الوقت. وفي 23 سبتمبر، قالت منظمة الصحة العالمية إن التصعيد أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا وزيادة النزوح، بينما أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من 122 ألف شخص نزحوا عبر ثماني محافظات نتيجة التصعيد الأخير. ومع ذلك، لم يعد التصعيد محصورًا داخل اليمن، بل امتد أثره مباشرة إلى البيئة الأمنية الإقليمية.
الهجمات تعود إلى السعودية
في سبتمبر 2026 عادت الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية إلى الواجهة. وفي أحدث تطور حتى صباح السبت 26 سبتمبر، أعلن التحالف الذي تقوده السعودية اعتراض صاروخين باليستيين وطائرتين مسيرتين أُطلقت باتجاه المملكة.
وبحسب رويترز، قال التحالف إن الصاروخين كانا متجهين نحو خميس مشيط، بينما كانت الطائرتان المسيرتان متجهتين نحو الرياض. ولم تقدم الرواية الرسمية تفاصيل مستقلة عن مواقع الاعتراض أو الأضرار الناتجة عنها. كما أعلنت السعودية في اليوم السابق اعتراض ستة صواريخ باليستية قالت إن الحوثيين أطلقوها باتجاه الطائف ومنطقة ينبع، فيما أعلن الحوثيون لاحقًا أنهم شنوا هجمات على ما وصفوه بأهداف في الرياض ومنشآت تابعة لأرامكو في ينبع، وفق رويترز.
وهنا تظل القاعدة المهنية الأساسية هي التمييز بين ما تعلنه الأطراف بشأن الهجمات ونتائجها، وبين ما يمكن التحقق منه بصورة مستقلة.
السعودية بين الدفاع والتفاوض
تغيرت السياسة السعودية تجاه اليمن عبر السنوات. ففي المرحلة الأولى بعد 2015 كان التركيز على العمل العسكري ودعم الحكومة اليمنية ومنع الحوثيين من توسيع سيطرتهم، بينما أصبح خفض التصعيد والتفاوض المباشر جزءًا أساسيًا من المسار السعودي بعد هدنة 2022.
لكن عودة الهجمات في 2026 أعادت أمن الحدود والمنشآت والمدن السعودية إلى مقدمة الحسابات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة عودة الرياض إلى النموذج العسكري نفسه الذي ساد في السنوات الأولى للحرب. فالساحة اليمنية تغيرت، كما تغيرت علاقات القوى الإقليمية وطبيعة الدور الأمريكي في الملف.
وفي سبتمبر 2026، قالت رويترز إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتعهد للرئيس اليمني رشاد العليمي بتقديم دعم عسكري أمريكي مباشر ضد الحوثيين رغم طلب الحكومة اليمنية ذلك. وفي الوقت نفسه، أعلنت بريطانيا موافقتها على تقديم دعم دفاعي محدود للتزود بالوقود جوًا للسعودية بعد طلب من الرياض، بينما عقدت السعودية وتركيا وباكستان محادثات حول تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق العسكري.
إيران والحوثيون.. علاقة إقليمية لا تلغي الجذور اليمنية
تصف مصادر دولية الحوثيين بأنهم مدعومون من إيران، بينما تقول طهران إن سياستها تجاه اليمن ترتبط بدعم الجماعة وموقفها من الصراع الإقليمي. لكن اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة خارجية لا يشرح كامل الصراع، فالحركة نشأت في شمال اليمن ولها جذور وحسابات محلية، في حين تطورت علاقتها بإيران مع مرور الوقت لتشمل دعمًا سياسيًا وعسكريًا وتقنيًا بحسب تقارير دولية.
وفي سبتمبر 2026، دعا وزراء خارجية مجموعة السبع إيران إلى وقف تسليح ودعم الحوثيين، وربطوا الدعم الإيراني بتصاعد الهجمات على السعودية والملاحة. وتبقى هذه العلاقة أحد عناصر النزاع، لكنها لا تلغي أن مستقبل اليمن يتوقف أيضًا على ترتيبات السلطة داخل البلاد نفسها.
لماذا تعثرت التسوية؟
تكشف تجربة السنوات الماضية أن المشكلة لم تكن في غياب المبادرات السياسية فقط، وإنما في تعدد القضايا والأطراف التي يجب أن تتفق في وقت واحد. فأي تسوية تحتاج إلى معالجة علاقة الحوثيين بالحكومة، وترتيبات السلطة والجيش، وتقاسم الموارد والإيرادات، ومستقبل الجنوب، وأمن الحدود السعودية، وإعادة فتح الطرق والموانئ والمطارات.
كما أن الصراع الإقليمي جعل الملف اليمني أكثر ارتباطًا بتطورات خارج حدوده. فعندما هدأت الجبهات في 2022، بدا أن المجال أصبح أوسع للتفاوض، لكن دخول البحر الأحمر في الحرب الإقليمية خلال 2023 و2024 جعل المسار اليمني أكثر ارتباطًا بالملاحة والتنافس الإقليمي، ثم عاد القتال في 2026 إلى الواجهة في الوقت الذي تتقاطع فيه الحرب اليمنية مع أمن السعودية والبحر الأحمر وباب المندب.
تكلفة الحرب تتجاوز الميدان
بعد أكثر من عقد من النزاع، لم تعد آثار الحرب عسكرية فقط. وتقول الأمم المتحدة إن اليمن يواجه في 2026 واحدة من أشد الأزمات الإنسانية والتنموية في العالم، مع أكثر من 21 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة، و18.3 مليون شخص يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد، ونحو 2.2 مليون طفل دون الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد. كما أن الاقتصاد اليمني انكمش بأكثر من 50% منذ بداية الصراع، بينما لا تعمل بكامل طاقتها سوى 59.3% من المنشآت الصحية.
ومع التصعيد الأخير، قالت منظمة الصحة العالمية إن النظام الصحي يواجه ضغوطًا إضافية نتيجة ارتفاع أعداد الضحايا والنزوح وتعطل الخدمات. وهذا يجعل أي عودة إلى حرب واسعة أكثر كلفة على مجتمع لم يتعافَ أصلًا من آثار السنوات السابقة.
من 2008 إلى 2026.. كيف تغيرت الحرب؟
إذا نظرنا إلى المسار كاملًا، يمكن فهم التحولات الأساسية بوصفها سلسلة متصلة بدأت بحروب صعدة ثم انتقلت إلى الحدود السعودية، قبل أن تتحول إلى حرب إقليمية وتتداخل لاحقًا مع أمن الملاحة الدولية. ففي 2008 كان مركز الصراع في صعدة بين الحكومة والحوثيين، وفي 2009 وصل القتال إلى الحدود السعودية ودخلت الرياض المواجهة بصورة مباشرة، ثم قادت احتجاجات 2011 إلى انتقال السلطة إلى عبد ربه منصور هادي ضمن المبادرة الخليجية.
وفي 2014 سيطر الحوثيون على صنعاء وتوسعوا جنوبًا، ثم تدخل التحالف بقيادة السعودية في 2015 لدعم الحكومة اليمنية. وفي 2018 أصبحت الحديدة مركزًا رئيسيًا للقتال والمفاوضات، بينما كشف عام 2019 بوضوح انقسام المعسكر المناهض للحوثيين. وجاءت هدنة 2022 لتخفض مستوى العنف وتفتح المجال أمام التفاوض، قبل أن يتقدم المسار السعودي الحوثي وخارطة الطريق الأممية خلال 2023. ثم دخل البحر الأحمر بصورة مباشرة في الحرب خلال 2024، أعقبه وقف أمريكي مع الحوثيين في 2025، قبل أن يعود التصعيد العسكري داخل اليمن والهجمات على الأراضي السعودية في 2026، لتصبح الحرب مرة أخرى مرتبطة بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر.
ما الذي ينتظر اليمن والسعودية؟
لا توجد حاليًا معطيات كافية تسمح بالجزم بأن التصعيد الحالي سيعود إلى مستوى حرب 2015-2021، كما لا توجد ضمانات بأن الهدوء الذي أعقب هدنة 2022 يمكن أن يعود بالسهولة نفسها. والمؤكد أن المعادلة العسكرية والسياسية تغيرت؛ فالـحوثيون أكثر خبرة في استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، والسعودية تواجه مجددًا تهديدات عبر الحدود، بينما لا يزال المعسكر المناهض للحوثيين متعدد القوى والمصالح وتظل الحكومة اليمنية بحاجة إلى ترتيب أوضاعها الداخلية.
وفي الوقت نفسه، أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءًا من المعادلة، ما يعني أن أي حرب واسعة في اليمن يمكن أن تمتد آثارها إلى التجارة والطاقة والملاحة الإقليمية والدولية. ولهذا فإن أي تسوية مستقبلية لن تكون مجرد اتفاق على وقف إطلاق النار، بل ستحتاج إلى ترتيب سياسي يمني، وضمانات أمنية للحدود، وتسوية للملف الاقتصادي، واتفاق على الموانئ والطرق والمطارات، ومعالجة قضية الجنوب، إلى جانب ترتيبات تمنع إعادة تحويل اليمن إلى ساحة للصراع الإقليمي. وقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن الهدنة تستطيع خفض العنف، لكنها لا تحل وحدها جذور النزاع.
السؤال الذي بقي بلا إجابة
منذ حروب صعدة تغيرت أسماء الأطراف، واتسعت الجبهات، ودخلت دول وقوى جديدة إلى المشهد، لكن السؤال الأساسي بقي قائمًا: كيف يمكن بناء دولة يمنية تستطيع استيعاب القوى المتنافسة وتمنع تحول أراضيها إلى ساحة دائمة لصراعات المنطقة؟
كانت الإجابة العسكرية هي الخيار الغالب منذ 2015، لكنها لم تنتج حسمًا نهائيًا، بينما كانت الهدنة منذ 2022 الأداة الأكثر نجاحًا في خفض العنف، لكنها لم تتحول إلى سلام شامل. وفي 2026 عاد السلاح إلى الواجهة، لكن معه عاد أيضًا سؤال التفاوض.
وبين الصراع الداخلي وأمن السعودية والبحر الأحمر والتنافس الإقليمي، تبدو نهاية الحرب اليمنية مرتبطة بقدرة الأطراف على تحويل الهدوء المؤقت إلى ترتيبات سياسية دائمة، لا بمجرد تحقيق تفوق عسكري في جبهة واحدة. فاليمن لم يخرج من الحرب بعد، لكنه بالتأكيد لم يعد اليمن نفسه الذي دخل مرحلة حروب صعدة في 2008.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *