
الإمارات لا تغلق باب الحوار مع إيران، لكنها لا ترى أن استمرار العلاقات يعني عودة الثقة سريعًا. تلك هي الخلاصة الأبرز في حديث الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، عن شكل العلاقة مع طهران في المرحلة المقبلة.
وخلال جلسة «الإعلام في زمن التحولات الكبرى» ضمن قمة الإعلام العربي في دبي، أوضح قرقاش أن التعامل مع الوضع الراهن يقوم على مسارين متوازيين: أولهما إدارة الأزمة والمواجهة بأقل الأضرار الممكنة، وثانيهما استشراف طبيعة العلاقة المستقبلية وبناء تفاهمات جديدة تدعم أمن المنطقة واستقرارها.
وتكشف هذه الرؤية عن فارق أساسي بين إدارة العلاقة وإعادة بناء الثقة؛ فالجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح تفرض استمرار الاتصال والحوار، بينما تحتاج الثقة إلى وقت وإجراءات ملموسة.
علاقة تفرضها الجغرافيا.. والثقة تحكمها التجربة
يرى قرقاش أن استمرار الاتصال بين دول الخليج وإيران أمر تفرضه الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، ولذلك فإن الحوار يجب ألا يقتصر على الملفات اليومية، مثل التجارة والطيران وحركة السفن.
وبحسب طرحه، ينبغي أن يمتد الحوار إلى قضايا أعمق، من بينها ضمان عدم الاعتداء، والبحث في شكل المستقبل الذي يحفظ الاستقرار للبلدين والمنطقة.
لكن إعادة بناء الثقة، كما أوضح، مسار مختلف يحتاج إلى سنوات، في ضوء ما شهدته المنطقة من اعتداءات وتوترات وتداعيات عميقة. وهنا تظهر المعادلة التي تطرحها الإمارات: استمرار العلاقة ضرورة واقعية، لكن استعادة الثقة ليست تلقائية.
ثلاث ركائز لإدارة المرحلة
حدد قرقاش ملامح النهج الإماراتي في التعامل مع المرحلة الحالية، وفي مقدمتها الردع والدفاع عن سيادة الدولة، إلى جانب المرونة المطلوبة للحوار مع إيران، والعمل على صياغة علاقة مختلفة في المستقبل.
وأكد أن حماية سيادة الإمارات وشعبها تبقى في مقدمة الأولويات، مع استمرار العمل على حماية المسار الاقتصادي والتنموي للدولة.
وتجمع هذه المقاربة بين مسارين متوازيين: الاستعداد للدفاع عن الدولة ومصالحها، وفي الوقت نفسه إبقاء الباب مفتوحاً أمام الدبلوماسية والحوار عندما تتوافر مساحة لذلك.
لماذا لا يكفي وقف التصعيد؟
في قراءة قرقاش، يمثل وقف العدوان والتوتر الخطوة الأولى نحو الانتقال إلى مرحلة مختلفة. وقال إنه لا يمكن التفاوض على مستقبل جديد بينما تستمر التهديدات والهجمات في الوقت نفسه، مشدداً على أن الوصول إلى علاقة جديدة يتطلب أولاً وقف التصعيد.
كما دعا إلى أن تنظر دوائر صنع القرار في إيران إلى دول الخليج من منظور مختلف، يقوم على احترام السيادة وعدم الاستهداف، والابتعاد عن استخدام الميليشيات لتهديد أمن دول المنطقة أو محاولة فرض وقائع جديدة في الممرات المائية.
وأشار إلى أن دول المنطقة يمكن أن تؤدي دوراً في مساعدة إيران على تجاوز أزمتها واستعادة مسارها الاقتصادي والتنموي، لكن ذلك يتطلب أولاً نهجاً واقعياً يقوم على وقف التصعيد وبناء علاقات مستقرة مع دول الجوار.
طهران أمام اختبار مختلف
قال قرقاش إن دوائر صنع القرار في إيران مطالبة بالنظر إلى دول الخليج بطريقة مختلفة عن تلك التي قادت إلى استهدافها، مشيراً إلى أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وصف الهجوم على دول الخليج بأنه «خطأ كبير».
وأضاف أن هذا الخطأ، وفق تقديره، حقق أهدافاً قصيرة المدى، لكنه أوجد لإيران وضعاً أكثر تعقيداً على المدى البعيد.
ومن هنا، لا تبدو الرسالة الإماراتية مرتبطة فقط بوقف التصعيد الحالي، بل بما سيأتي بعده، وما إذا كانت طهران ستتعامل مع دول الخليج على أساس المصالح المتبادلة وعدم الاعتداء.
الإمارات لا تجمّد مسارها الاقتصادي
وفي موازاة الملف الأمني، شدد قرقاش على استمرار المسار الاقتصادي والتنموي للإمارات، وعدم السماح للتطورات الإقليمية بعرقلة علاقاتها مع بقية دول العالم.
وأشار إلى أن الإمارات تواصل تحركها الدولي والاقتصادي، مستشهداً بزيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، إلى ألمانيا.
وتعكس هذه النقطة جانباً آخر من المعادلة: إدارة الأزمة لا تعني تجميد المسار الاقتصادي أو الدولي. فالإمارات، وفق التصريحات، تسعى إلى حماية أمنها ومصالحها، مع الحفاظ على انفتاحها الاقتصادي والدولي وإبقاء قنوات الاتصال مع إيران مفتوحة.
ما بعد الأزمة.. من يعيد إيران إلى التنمية؟
لا يتوقف تصور قرقاش عند مرحلة وقف الهجمات، إذ أشار إلى أن دول المنطقة المحيطة بإيران يمكن أن تؤدي لاحقاً دوراً في مساعدتها على تجاوز أزمتها واستعادة مسارها الاقتصادي والتنموي.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة، وفق طرحه، يتطلب أولاً تغيير البيئة الأمنية ووقف التصعيد. لذلك، فإن المعادلة التي طرحها قرقاش يمكن اختصارها في ثلاث نقاط: الدفاع عن الدولة لا يلغي الحوار، والحوار لا يعني عودة الثقة، وعودة الثقة تحتاج إلى تغيير في مسار العلاقة ومرور وقت كافٍ.
وبينما تتعامل المنطقة مع تداعيات الأزمة الحالية، فإن السؤال الذي يفتح عليه هذا الطرح يتجاوز كيفية انتهاء المواجهة إلى شكل القواعد التي ستُبنى عليها العلاقة بين إيران ودول الخليج بعد انتهائها.
وبحسب قرقاش، فإن وقف التصعيد سيكون بداية الطريق، أما استعادة الثقة فمسار أطول يحتاج إلى سنوات وإجراءات ملموسة.




التعليقات (2)
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *