
لم تعد معركة الطاقة في الحرب الحالية تدور حول مضيق هرمز وحده. فمع استمرار اضطراب حركة النفط عبر الخليج، أصبحت الطرق البديلة التي تستطيع السعودية استخدامها لنقل الخام إلى الأسواق أكثر أهمية، وفي مقدمتها خط أنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وفي هذا التوقيت تحديدًا، أعلنت السعودية اعتراض ستة صواريخ باليستية أطلقها الحوثيون باتجاه منطقة الطائف وينبع، قبل أن تعلن الجماعة لاحقًا أنها شنت هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة على ما وصفته بأنه «هدف حساس» في الرياض ومنشآت تابعة لشركة أرامكو في ينبع.
وبحسب ما نقلته رويترز، لم يكن هناك تأكيد سعودي فوري على وقوع هجوم في الرياض أو على حدوث أضرار أو سقوط ضحايا في الطائف وينبع، بينما قال المتحدث العسكري باسم الحوثيين إن الهجمات حققت أهدافها. ولذلك، فإن المؤكد حتى الآن هو إعلان السعودية اعتراض الصواريخ، وإعلان الحوثيين مسؤوليتهم عن عمليات أخرى، أما حجم الأضرار التي تحدثت عنها الجماعة في ينبع فلا يزال بحاجة إلى تأكيد مستقل.
لكن أهمية التطور لا تتوقف عند سؤال ما إذا كانت منشأة نفطية قد أصيبت أم لا. فمجرد وصول التهديد إلى ينبع يضع أحد أهم المسارات البديلة عن هرمز داخل الحسابات الأمنية للحرب، في وقت تحاول فيه الرياض بالفعل زيادة كميات الخام المتجهة عبر خط شرق–غرب إلى البحر الأحمر.
ينبع.. الطريق الذي يتجاوز هرمز
تكمن أهمية ينبع في موقعها على البحر الأحمر وارتباطها بشبكة النفط السعودية عبر خط أنابيب شرق–غرب، الذي يمنح المملكة إمكانية نقل الخام من الشرق إلى الساحل الغربي ثم شحنه بحرًا بعيدًا عن مضيق هرمز. وقد أصبح هذا الخط أكثر أهمية منذ تعطل جزء كبير من حركة النفط عبر المضيق، لأنه يوفر مسارًا لا يعتمد على المرور من نقطة الاختناق البحرية الواقعة بين الخليج وخليج عُمان.
وكانت السعودية قد أعادت تشغيل خط شرق–غرب بعد توقفه إثر هجمات بطائرات مسيرة في 11 سبتمبر، وبدأت زيادة الضخ باتجاه ينبع، لكن عمليات تحميل ناقلات النفط في الميناء لم تكن قد عادت بالكامل إلى مستوياتها السابقة. وقالت مصادر في قطاع النفط لرويترز إن استعادة طاقة الخط بصورة كاملة قد تستغرق عدة أسابيع، بعدما تضررت محطات ضخ خلال الهجوم. ويبلغ إجمالي طاقة الخط نحو 7 ملايين برميل يوميًا، بينما كانت السعودية تعمل على إعادة الضخ إلى مستويات أعلى تدريجيًا.
وهنا تتغير طبيعة المعادلة. فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت السعودية قادرة على إنتاج النفط، وإنما ما إذا كانت قادرة على نقله إلى الأسواق عندما يصبح أحد أهم الممرات البحرية في العالم معرضًا للاضطراب. فخط شرق–غرب يمنح المملكة منفذًا بديلًا، لكن هذا المنفذ يحتاج في النهاية إلى موانئ عاملة وناقلات قادرة على الإبحار وتأمين بحري بأسعار يمكن تحملها.
ولهذا فإن ارتفاع المخاطر حول ينبع لا يعني بالضرورة توقف صادرات النفط السعودية، لكنه يمكن أن يزيد تكلفة استخدامها كطريق بديل. وقد نقلت رويترز عن مصادر في قطاع الشحن أن تكلفة التأمين على ناقلات النفط التي تحمل شحنات من الموانئ السعودية على البحر الأحمر ارتفعت بصورة حادة خلال الأسابيع الأخيرة، ما يضيف تكلفة جديدة إلى عملية نقل الخام حتى عندما تظل الموانئ والأنابيب قادرة على العمل.
الحوثيون ينقلون الضغط إلى مسار النفط البديل
يأتي التطور في سياق تصعيد أوسع أعلن خلاله الحوثيون توسيع عملياتهم ضد السعودية. وقالت الجماعة الخميس إنها هاجمت مواقع عسكرية في منطقة جازان، ثم أعلنت لاحقًا استهداف موقع في الرياض ومنشآت تابعة لأرامكو في ينبع باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة. وفي المقابل، أعلنت السعودية اعتراض ستة صواريخ باليستية أطلقت باتجاه الطائف ومنطقة ينبع على البحر الأحمر.
والفارق بين الروايتين مهم في قراءة التطور. فإعلان اعتراض الصواريخ يمكن نسبته إلى الجانب السعودي الذي أعلنه، بينما تبقى نتائج الهجمات التي تحدث عنها الحوثيون، ولا سيما ما يتعلق بمنشآت أرامكو في ينبع، غير مؤكدة بشكل مستقل حتى الآن. وهذا الفصل ضروري لأن أهمية ينبع في خريطة الطاقة لا تعني أن كل ادعاء بشأن استهدافها يتحول تلقائيًا إلى حقيقة ميدانية.
لكن التطور يحمل دلالة استراتيجية حتى مع هذا التحفظ. فالحوثيون كانوا قد أعلنوا في يوليو فرض حصار بحري على السعودية، فيما أشارت رويترز إلى أن الجماعة سيطرت أخيرًا على كامل الساحل الغربي لليمن تقريبًا، واقتربت من منطقة باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهذا يجعل البحر الأحمر جزءًا أكثر حساسية من معادلة الحرب في الوقت الذي تحاول فيه السعودية استخدامه كمسار لتقليل اعتماد صادراتها على هرمز.
وبالتالي، فإن أهمية ما حدث في ينبع لا تكمن فقط في حجم الضرر، الذي لم يتضح حتى الآن، وإنما في المكان الذي ظهرت فيه التهديدات. فكلما أصبح المسار البديل عن هرمز أكثر عرضة للمخاطر، زادت صعوبة الاعتماد عليه باعتباره شبكة أمان كاملة أمام اضطراب الملاحة في الخليج.
هرمز وباب المندب.. عندما تصبح الطرق نفسها جزءًا من الحرب
في الوقت الذي وصلت فيه الهجمات الحوثية إلى ينبع، كانت هناك اتصالات أمريكية إيرانية تبحث مسارًا تدريجيًا لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز. وقالت مصادر قريبة من المحادثات لرويترز إن مفاوضين أمريكيين وإيرانيين في نيويورك يبحثون صيغة تتضمن إعادة فتح المضيق مقابل رفع واشنطن الحصار الاقتصادي عن إيران، لكن المفاوضات لم تتحول إلى اتفاق نهائي، ولا تزال هناك خلافات حول كيفية توزيع أوراق الضغط بين الطرفين.
هذه التطورات المتزامنة تكشف أن خريطة الطاقة أصبحت مرتبطة بمسارين متوازيين: الأول يتعلق بمصير هرمز، والثاني بقدرة الطرق البديلة على العمل إذا استمر اضطراب المضيق. وكلما طال إغلاق أو تقييد هرمز، ارتفعت قيمة خط شرق–غرب وميناء ينبع والطرق البحرية المرتبطة بالبحر الأحمر. لكن هذه القيمة نفسها تجعلها أكثر حساسية لأي تصعيد أمني.
وقد انعكس ذلك سريعًا على سوق النفط. فقد ارتفعت الأسعار بنحو 3% خلال تعاملات الخميس بعدما أثارت الهجمات الحوثية مخاوف جديدة بشأن الإمدادات، قبل أن تتراجع عن أعلى مستوياتها مع ظهور تقارير عن المحادثات الأمريكية الإيرانية بشأن إعادة فتح هرمز. واستقر خام برنت عند 106.60 دولار للبرميل، بينما أغلق خام غرب تكساس الوسيط عند 94.61 دولار.
وتكشف حركة الأسعار عن جانب أوسع من الأزمة: الأسواق لا تراقب كمية النفط الموجودة في مناطق الإنتاج فقط، وإنما تراقب الطريق الذي يستطيع هذا النفط أن يسلكه إلى المستهلك. فإذا تعطل هرمز، يصبح خط شرق–غرب أكثر أهمية، وإذا ارتفعت المخاطر في البحر الأحمر، فإن تكلفة استخدام هذا البديل ترتفع بدورها.
لهذا فإن ما يجري حول ينبع لا يعني أن السعودية فقدت طريقها البديل عن هرمز، ولا يعني أن الحوثيين تمكنوا من تعطيل صادرات النفط السعودية؛ فالمعطيات المتاحة حتى الآن لا تثبت ذلك. لكنه يكشف أن البدائل نفسها أصبحت جزءًا من حسابات الحرب، وأن حماية البنية التحتية النفطية والموانئ والممرات البحرية لم تعد مسألة منفصلة عن الصراع الإقليمي.
في النهاية، قد لا تكون المعركة المقبلة حول النفط نفسه، بل حول الطريق الذي يسلكه النفط. فالسعودية تستطيع نقل جزء من خامها بعيدًا عن هرمز عبر خط شرق–غرب، لكن قيمة هذا البديل تعتمد على بقاء ينبع آمنة، واستمرار عمل الأنابيب والموانئ، وقدرة الناقلات على الإبحار في البحر الأحمر بتكاليف تأمين وشحن يمكن تحملها.
ومن هنا تكتسب هجمات اليوم أهميتها. فالسؤال ليس ما إذا كان الحوثيون قادرين على إغلاق طريق النفط السعودي عبر ينبع؛ لا توجد معطيات تثبت حدوث ذلك. السؤال الأهم هو ما إذا كان استمرار التهديد حول هذا الطريق سيجعله أكثر كلفة وأقل قدرة على امتصاص صدمة هرمز.
وبذلك تتحول خريطة الطاقة في الحرب من معادلة بسيطة عنوانها «هرمز مغلق أو مفتوح» إلى شبكة أكثر تعقيدًا، تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وباب المندب، حيث يمكن أن يصبح ارتفاع تكلفة الطريق المفتوح بحد ذاته جزءًا من تكلفة الحرب.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *