
تكشف أول قافلة إمداد روسية رئيسية تصل إلى الساحل السوري منذ اتفاق موسكو ودمشق في أغسطس، أن العلاقة بين البلدين لا تتجه إلى القطيعة، بل إلى إعادة صياغة شروط الوجود الروسي في سوريا. فوصول أربع سفن روسية إلى ميناء طرطوس في 7 سبتمبر، بعد أسابيع قليلة من الاتفاق على مستقبل المنشآت الروسية، يقدم مؤشراً مبكراً إلى الطريقة التي يمكن أن تعمل بها الترتيبات الجديدة على الأرض.
ويستند هذا التحليل إلى ما نشره الصحفي السوري الأميركي ستيفن صهيوني في «المصري اليوم»، بالتعاون مع مركز الدراسات العربية الأوراسية (CAES)، بشأن القافلة الروسية وتداعيات الاتفاق بين دمشق وموسكو، مع الاستناد إلى معلومات أوردتها وكالة «رويترز» حول حركة السفن والصور الفضائية التي تحققت منها الوكالة.
وبحسب «رويترز»، ضمت القافلة سفينة الشحن «سبارتا» (Sparta)، وسفينة الإمداد «أكاديميك باشين» (Akademik Pashin)، وناقلة النفط «جنرال سكوبلييف» (General Skobelev)، والمدمرة «أدميرال ليفتشينكو» (Admiral Levchenko). وأظهرت صور أقمار صناعية تحققت منها الوكالة رسو «سبارتا» و«أكاديميك باشين» في طرطوس، فيما بقيت «جنرال سكوبلييف» قبالة الساحل. وكانت السفن قد أوقفت إشارات التتبع بعد عبورها مضيق جبل طارق، قبل وصولها إلى الساحل السوري.
وتنقل المادة المنشورة في «المصري اليوم» عن مصدر عسكري سوري ورجل أعمال روسي-سوري مطلع على العملية أن سفينة «سبارتا» أفرغت إمدادات، بينها ذخائر مخصصة لمنشأتي حميميم وطرطوس. لكن هذه النقطة تحتاج إلى توصيف دقيق؛ إذ قالت «رويترز» إنها لم تتمكن بصورة مستقلة من التحقق من محتويات الشحنة أو وجهتها. لذلك، فإن المؤكد من المعلومات المفتوحة هو وصول القافلة ووجود السفن الروسية في طرطوس، بينما تبقى تفاصيل الحمولة منسوبة إلى المصادر التي تحدثت إليها الوكالة.
من القواعد الروسية إلى ترتيبات جديدة
جاء وصول القافلة بعد أقل من شهر من إعلان دمشق وموسكو، في 9 أغسطس/آب، التوصل إلى مذكرة تفاهم بشأن مستقبل الوجود الروسي في سوريا، بعد نحو 18 شهراً من المفاوضات. وينص الاتفاق على أن تتولى سوريا إدارة المنشآت ذات الاستخدام المدني، بما في ذلك المرافق المدنية المرتبطة بمطار حميميم والرصيف التجاري في ميناء طرطوس، بينما يعاد تنظيم المنشآت العسكرية ضمن مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، مع استمرار الوجود العسكري الروسي.
وهذا يعني أن الاتفاق لا يقوم على إنهاء الوجود الروسي، بقدر ما يعيد تعريفه. فموسكو تفقد جزءاً من السيطرة المباشرة على منشآت ذات وظيفة مدنية، في مقابل الحفاظ على موطئ قدم عسكري في مواقع تعدها ذات أهمية استراتيجية. أما دمشق، فتحصل على دور أكبر في إدارة البنية التحتية المدنية الموجودة على أراضيها، من دون قطع العلاقة العسكرية والأمنية مع موسكو.
وتكتسب هذه الصيغة أهمية خاصة لأن طرطوس وحميميم شكّلتا طوال سنوات الحرب السورية محور الوجود الروسي في البلاد. فطرطوس توفر لموسكو منفذاً بحرياً وقدرات لوجستية في البحر المتوسط، بينما تمثل حميميم قاعدة جوية رئيسية تدعم الحركة الروسية في المنطقة. وتقول «رويترز» إن الموقعين ارتبطا بقدرة روسيا على دعم عملياتها والحفاظ على حضورها في الشرق الأوسط والبحر المتوسط وأفريقيا.
طرطوس تختبر التوازن الجديد
لهذا السبب، لا تبدو القافلة مجرد عملية إمداد عسكرية روتينية. توقيتها هو العنصر الأكثر أهمية فيها. فقد وصلت بعد وقت قصير من إعلان الاتفاق الذي أعاد رسم حدود الوجود الروسي، لتصبح بذلك واحداً من الاختبارات الأولى لقدرة موسكو ودمشق على تطبيق الترتيبات الجديدة من دون أن تتحول مسألة الصلاحيات والسيطرة على المنشآت إلى مصدر احتكاك بين الطرفين.
وكانت دمشق قد بدأت بالفعل في استعادة بعض الوظائف المدنية في طرطوس. وبعد الاتفاق، وصلت شحنات تجارية إلى الرصيف الذي كان خاضعاً سابقاً للإدارة الروسية، فيما رصدت «رويترز» مغادرة جنود روس مباني قريبة من الرصيف ونقل بعض المعدات إلى منشآت عسكرية مجاورة. ويشير ذلك إلى أن الفصل بين الاستخدامين المدني والعسكري لم يعد مجرد بند في مذكرة تفاهم، وإنما بدأ يظهر تدريجياً على الأرض.
لكن الحدود بين المجالين تظل هي القضية الأكثر حساسية. فإدارة دمشق للمنشآت المدنية لا تعني انتهاء الدور الروسي في الساحل، كما أن استمرار النشاط العسكري الروسي لا يعني بالضرورة عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الاتفاق. وبين هذين الحدين ستتحدد طبيعة العلاقة الجديدة.
روسيا تحتاج إلى الساحل
بالنسبة إلى موسكو، لا تزال سوريا تمثل موقعاً مهماً لشبكتها العسكرية واللوجستية في المنطقة. ولذلك فإن الحفاظ على الوصول إلى طرطوس وحميميم يمنحها قدرة على مواصلة العمل في البحر المتوسط وربط وجودها السوري بمصالحها الأوسع في الشرق الأوسط وأفريقيا.
أما دمشق، فتبدو معنية بإعادة صياغة هذه العلاقة على أساس مختلف عن المرحلة التي ارتبطت فيها روسيا بشكل وثيق بالنظام السابق. استعادة السيطرة على المنشآت المدنية تمنح الحكومة السورية مساحة أكبر لإظهار السيادة على البنية التحتية الواقعة داخل أراضيها، بينما يسمح الإبقاء على التعاون العسكري بتجنب قطيعة مع قوة ما زالت تمتلك مصالح وقدرات في المنطقة.
وهنا تكمن أهمية الاتفاق: فهو يحاول الجمع بين مطلبين يصعب الفصل بينهما؛ السيادة السورية من جهة، والمصالح الاستراتيجية الروسية من جهة أخرى. نجاح هذه الصيغة لن يتحدد بنص المذكرة وحده، وإنما بقدرة الطرفين على إدارة التفاصيل اليومية المتعلقة بالقوات، والتدريب، والإمداد، والأمن، واستخدام المنشآت.
القافلة.. أول اختبار للتسوية
من هذه الزاوية، تبدو قافلة سبتمبر اختباراً عملياً مبكراً للتسوية الجديدة. فوجود سفن إمداد وناقلة نفط ومدمرة روسية في طرطوس بعد أسابيع من الاتفاق يؤكد أن موسكو ما زالت قادرة على الوصول إلى الساحل السوري ودعم وجودها هناك، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: ما الحدود التي ستضعها دمشق لهذا الوجود، وكيف ستتعايش مع استمرار الدور العسكري الروسي؟
المؤكد حتى الآن أن روسيا لم تغادر سوريا، لكن المؤشرات المتاحة لا تعني أيضاً أن وجودها سيستمر بالشكل الذي عرفته البلاد خلال سنوات الحرب. ما تغير هو الإطار الذي يتحرك داخله هذا الوجود، وما ستكشفه المرحلة المقبلة هو مدى قدرة الاتفاق على تحويل الوجود الروسي من إرث مرتبط بمرحلة الحرب إلى جزء من علاقة روسية-سورية جديدة.
لذلك، فإن السؤال الذي تطرحه قافلة طرطوس ليس ما إذا كانت روسيا ستبقى في سوريا، بل كيف ستبقى، وبأي شروط، وتحت أي حدود جديدة للسيادة السورية؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *