الرئيسية/التحليلات/معركة صنعاء.. ما السيناريوهات المحتملة؟
التحليلات

معركة صنعاء.. ما السيناريوهات المحتملة؟

مقاتلون تابعون للقوات المدعومة من السعودية خلال مواجهات مع الحوثيين في اليمن
📸مقاتلون تابعون للقوات المدعومة من السعودية خلال مواجهات مع الحوثيين في اليمن
اليوم ميديا

دخلت الحرب اليمنية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع اتساع العمليات العسكرية التي تقودها القوات الحكومية اليمنية بدعم سعودي لاستعادة مناطق يسيطر عليها الحوثيون، في وقت انتقلت فيه المواجهة من جبهات الساحل الغربي وباب المندب إلى استهداف مواقع في صنعاء وصعدة. وأعلنت القوات الحكومية في 5 أكتوبر بدء ما وصفته بـ«هجوم استراتيجي» باتجاه العاصمة، بالتزامن مع تقدم ميداني في مناطق قريبة من باب المندب والساحل الغربي، في تطور يعيد صنعاء إلى مركز الحسابات العسكرية والسياسية للحرب.

وكانت «رويترز» قد أفادت قبل ذلك بأن السعودية تستعد لعملية عسكرية ضد الحوثيين بهدف استعادة مناطق استراتيجية والسيطرة على خطوط حيوية في البحر الأحمر، مشيرة إلى أن الخيارات المطروحة تشمل هجومًا ساحليًا لاستعادة مواقع على البحر، إلى جانب احتمال تنفيذ عمليات على جبهات متعددة، على أن تتولى القوات اليمنية الجزء الأكبر من العمليات البرية مع توفير دعم جوي سعودي. وبعد إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بدء العمليات لاستعادة الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون، بدأت المؤشرات الميدانية تتجه نحو حملة أوسع من مجرد تحرك محدود على جبهة واحدة.

وتكتسب صنعاء أهمية استثنائية في هذه المعادلة لأنها تمثل مركز الثقل السياسي والعسكري للحوثيين منذ سيطرتهم عليها عام 2014، ولذلك فإن أي تقدم عسكري في محيطها لن يكون مجرد تغير في خطوط التماس، بل قد يحمل تداعيات مباشرة على مستقبل السلطة في اليمن. ومع ذلك، فإن الاقتراب من العاصمة لا يعني بالضرورة أن اقتحامها أصبح وشيكًا، إذ تختلف كلفة السيطرة على المناطق المحيطة بصنعاء بصورة كبيرة عن كلفة الدخول في معركة حضرية داخل مدينة كبيرة، خصوصًا في ظل الطبيعة الجغرافية الصعبة للمناطق المحيطة بها والخبرة التي راكمها الحوثيون خلال سنوات الحرب في التحصين والقتال.

وتشير التطورات الحالية إلى أن أحد الخيارات المطروحة هو توسيع الضغط العسكري على المحاور المؤدية إلى العاصمة بدل الانتقال مباشرة إلى محاولة اقتحامها. فقد ذكرت «رويترز» أن القوات الحكومية المدعومة سعوديًا حققت تقدمًا في مناطق استراتيجية قرب باب المندب، بينما تحدثت تقارير عن تحركات باتجاه المخا ومناطق أخرى على الساحل الغربي، في وقت أعلنت فيه القوات اليمنية تنفيذ ضربات ضد أهداف حوثية في صنعاء وصعدة. ويعني هذا النمط من العمليات أن المعركة قد تتحول إلى محاولة لإضعاف القدرات العسكرية وخطوط الإمداد الحوثية وتغيير ميزان القوى حول العاصمة قبل اتخاذ قرار بشأن أي تحرك بري أوسع.

وفي حال اتجهت التطورات إلى هجوم واسع باتجاه صنعاء، فإن التحدي الأساسي لن يكون الوصول إلى أطراف العاصمة فحسب، بل المحافظة على الزخم العسكري في بيئة جبلية معقدة ثم التعامل مع احتمال انتقال القتال إلى مناطق مأهولة. وتمنح طبيعة المنطقة المدافعين قدرة على إبطاء أي تقدم، بينما يمكن أن يؤدي القتال داخل المدينة إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة ويضع الأطراف المشاركة أمام ضغوط دولية متزايدة. ولهذا فإن السيناريو الأكثر كلفة يتمثل في محاولة حسم صنعاء عسكريًا خلال فترة قصيرة، وهو أمر لا تضمنه الضربات الجوية أو السيطرة على بعض المحاور وحدها.

في المقابل، يبدو سيناريو الضغط على العاصمة من الخارج أكثر قابلية للتحول إلى استراتيجية طويلة الأمد، إذ يمكن للقوات الحكومية وحلفائها التركيز على السيطرة على الطرق والممرات والمناطق المحيطة بصنعاء، بالتزامن مع إضعاف خطوط الإمداد والقدرات العسكرية للحوثيين. وكانت «رويترز» قد أشارت إلى أن أحد الأهداف الرئيسية للتحرك السعودي يتمثل في كسر قبضة الحوثيين على مناطق البحر الأحمر وباب المندب، ما يعني أن السيطرة على الممرات الاستراتيجية قد تكون جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل ميزان القوى قبل التفكير في معركة مباشرة داخل العاصمة.

لكن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر، إذ إن الضغط الطويل على المناطق الخاضعة للحوثيين قد يفاقم الوضع الإنساني ويدفع الجماعة إلى توسيع نطاق الرد خارج خطوط القتال التقليدية. وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على اتساع دائرة المواجهة، إذ أفادت وكالة «أسوشيتد برس» بأن السعودية أعلنت تعرض مطاري جازان ونجران لهجمات صاروخية، ما أدى إلى إصابة ثلاثة أشخاص وأضرار مادية، في وقت تواصلت فيه العمليات العسكرية داخل اليمن. وإذا استمر هذا النمط، فقد تتحول معركة صنعاء من مواجهة على مستقبل السلطة في اليمن إلى اختبار أوسع للأمن السعودي والملاحة في البحر الأحمر.

ولا يمكن كذلك استبعاد سيناريو تحقيق مكاسب ميدانية محدودة ثم التوقف عند خطوط جديدة، خصوصًا إذا اصطدمت العملية بعوامل سياسية وعسكرية يصعب تجاوزها. فالقوى المناهضة للحوثيين ليست كتلة واحدة، وتحقيق تقدم عسكري لا يعني تلقائيًا الاتفاق على شكل الإدارة السياسية والأمنية للمناطق التي يمكن استعادتها. كما أن أي توسع كبير في العمليات سيعيد طرح سؤال اليوم التالي، ومن يملك القرار العسكري والسياسي في المناطق المحررة، وكيف يمكن منع تحول الانتصارات الميدانية إلى صراع جديد بين القوى المناهضة للحوثيين نفسها.

وتبقى السعودية العامل الخارجي الأكثر تأثيرًا في تحديد سقف العملية، إذ تعتمد القوات الحكومية على الدعم الجوي واللوجستي السعودي، فيما أظهرت التطورات الأخيرة استعداد الرياض للانخراط بصورة أكبر في مواجهة الحوثيين. ووفق ما أوردته «رويترز»، فإن العملية البرية تقودها قوات يمنية مع توفير دعم جوي سعودي، بينما تحدثت «ذا ناشيونال» عن مشاركة عدد كبير من الطائرات المقاتلة في العمليات. لكن رفع مستوى التدخل السعودي يحمل في المقابل خطر توسيع دائرة الرد الحوثي، خصوصًا أن الجماعة تمتلك ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة سبق أن استخدمتها ضد أهداف في السعودية والمنطقة.

أما العامل الآخر الذي سيحدد مسار المعركة فهو قدرة الحوثيين على امتصاص الضربة الأولى وإعادة تنظيم صفوفهم. فالجماعة خاضت سنوات من الحرب وتمكنت في مراحل سابقة من تحويل الجغرافيا الجبلية إلى عنصر دفاعي مهم، كما احتفظت بقدرة على شن هجمات بعيدة المدى. ولذلك فإن نجاح القوات الحكومية في تحقيق تقدم سريع خلال الأيام الأولى لا يعني بالضرورة انهيار دفاعات الحوثيين، وقد تكون المرحلة الأصعب هي المحافظة على المكاسب بعد تجاوز خطوط الدفاع الأولى.

وفي الوقت نفسه، يظل العامل الإنساني حاضرًا بقوة في أي حسابات تتعلق بمعركة صنعاء. فالأمم المتحدة تقول إن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن سيحتاجون إلى المساعدات والحماية خلال عام 2026، فيما أدت موجة التصعيد الأخيرة إلى نزوح عشرات الآلاف من الأشخاص. وحذر برنامج الأغذية العالمي من تدهور الأمن الغذائي في المناطق الخاضعة للحكومة نتيجة تجدد القتال واضطراب الأسواق وصعوبة وصول المساعدات، ما يعني أن أي معركة واسعة داخل صنعاء قد تفرض كلفة إنسانية ضخمة وتزيد الضغوط الدولية لوقف التصعيد.

ما وراء الخبر أن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة قد لا يكون ما إذا كانت القوات الحكومية ستصل إلى صنعاء، وإنما ما الذي تريد تحقيقه من الاقتراب منها. فإذا كان الهدف إسقاط سلطة الحوثيين عسكريًا، فإن الطريق إلى ذلك لا يزال طويلًا، أما إذا كان الهدف إعادة رسم ميزان القوى ورفع كلفة بقاء الجماعة في مواقعها قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، فإن السيطرة على محيط العاصمة والطرق المؤدية إليها قد تكون أكثر أهمية من اقتحام المدينة نفسها.

وهنا تبرز أربعة عوامل ستحدد اتجاه المعركة: قدرة القوات الحكومية وحلفائها على الحفاظ على وحدة القيادة والزخم الميداني، ومستوى الدعم السعودي واستمراره، وقدرة الحوثيين على الرد وفتح جبهات جديدة، ثم الموقف الدولي من تحول التصعيد إلى معركة داخل واحدة من أكثر مدن اليمن اكتظاظًا. وكلما اقتربت العمليات من صنعاء، أصبح هامش الخطأ أضيق، لأن أي معركة حضرية واسعة يمكن أن تغير طبيعة الحرب وتفتح الباب أمام أزمة إنسانية وسياسية يصعب احتواؤها.

وبناءً على المعطيات الحالية، يبدو أن الضغط العسكري على محيط صنعاء وتغيير ميزان القوى حولها هو السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة الأولى، بينما يبقى الاقتحام الكامل للعاصمة الخيار الأعلى كلفة والأكثر تعقيدًا. وإذا نجحت القوات الحكومية في تثبيت مكاسبها على الساحل الغربي وباب المندب ووسعت الضغط على مواقع الحوثيين، فقد تصبح صنعاء تحت ضغط متزايد دون أن تتحول المعركة بالضرورة إلى حرب شوارع داخل العاصمة.

لذلك، فإن لحظة الحسم في اليمن قد لا تكون لحظة دخول صنعاء، وإنما اللحظة التي يصبح فيها استمرار الوضع القائم أكثر كلفة على الحوثيين من تقديم تنازلات سياسية. وفي حرب امتدت لأكثر من عقد، قد يكون تغيير قواعد اللعبة حول العاصمة أهم من السيطرة على شوارعها.

"
“دخلت الحرب اليمنية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع اتساع العمليات العسكرية التي تقودها القوات الحكومية اليمنية بدعم سعودي لاستعادة مناطق يسيطر عليها الحوثيون، في وقت انتقلت فيه المواجهة من جبهات الساحل الغربي وباب المندب إلى استهداف مواقع في صنعاء وصعدة. وأعلنت القوات الحكومية في 5 أكتوبر بدء ما وصفته بـ«هجوم استراتيجي» باتجاه”
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كيف يواجه آبي أحمد قمة العلمين؟

كيف يواجه آبي أحمد قمة العلمين؟

لم يكن اجتماع قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال في مدينة العلمين المصرية، الأحد، لقاءً عابرًا في توقيت عادي. فقد جاء بينما تعيش إثيوبيا واحدة من أكثر لحظاتها الإقليمية حساسية منذ سنوات: قتال متجدد في تيغراي، قطيعة دبلوماسية مع إريتريا، توتر متصاعد مع مصر، وخلافات مستمرة حول مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر. لكن السؤال الأهم

لندن - موسى مهدي
الاثنين، ٥ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟

محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟

لم يعد الحضور الإماراتي في أفريقيا مقتصراً على الاستثمارات التجارية والمشروعات اللوجستية، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية، تمتد من الموانئ والبنية التحتية إلى الشراكات مع الحكومات والتعامل مع أزمات إقليمية معقدة. ويضع هذا التوسع دولة الإمارات في موقع مؤثر في عدد من الملفات الأفريقية، لكنه يثير في الوقت نفسه

تحليل خاص - اليوم ميديا
الأحد، ٤ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الهند وأميركا.. إلى أين تتجه الشراكة؟

الهند وأميركا.. إلى أين تتجه الشراكة؟

تتجه العلاقات بين الهند والولايات المتحدة إلى توسيع شراكتها الاستراتيجية، مدفوعة بتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، وفي مقدمتها تنامي نفوذ الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. لكن هذا التقارب لا يعني أن نيودلهي تستعد للانضمام إلى تحالف تقوده واشنطن؛ فالهند تسعى إلى تعزيز قدراتها وشراكاتها الدولية، مع الحفاظ على استقلالية قرارها وتجنب الارتهان لأي قوة

تحليل خاص - اليوم ميديا
الأحد، ٤ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
فلاي دبي.. ما الذي لم يكشفه بيان النائب العام؟

فلاي دبي.. ما الذي لم يكشفه بيان النائب العام؟

نقل بيان النائب العام الإماراتي بشأن واقعة رحلة «فلاي دبي» FZ1073 التحقيق إلى مرحلة جديدة، بعدما أعلن أن التحقيقات كشفت عن شروع مساعد قائد الطائرة في تنفيذ عمل إرهابي، في تطور يحدد التوصيف الرسمي لما جرى داخل قمرة القيادة، لكنه لا يحسم بعد الأسئلة المتعلقة بالدوافع أو التخطيط أو الصلات المحتملة. وقالت وكالة أنباء الإمارات

تحليل خاص - اليوم ميديا
السبت، ٣ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة