لا تقتصر تداعيات الحرب في الخليج وإيران على المواجهة العسكرية أو أمن إمدادات النفط والممرات البحرية؛ فهي تطرح سؤالاً استراتيجياً أوسع: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها بوصفها القوة الأكثر نفوذاً في النظام الدولي، أم أن تعدد الأزمات وصعود المنافسين يدفعان العالم تدريجياً نحو توزيع أوسع للقوة بين واشنطن وبكين وموسكو وقوى إقليمية أخرى؟
لا يعني هذا السؤال أن نهاية الهيمنة الأميركية أصبحت أمراً محسوماً، أو أن حرب الخليج ستقود حتماً إلى ولادة نظام عالمي جديد. فالقوة الأميركية ما زالت تستند إلى شبكة واسعة من التحالفات، وقدرات عسكرية متقدمة، وأسواق مالية عميقة، ودور مركزي للدولار في الاقتصاد الدولي. لكن استمرار الحرب واتساع آثارها الاقتصادية والأمنية قد يختبران قدرة واشنطن على إدارة أزمات متزامنة، ويمنحان قوى أخرى فرصاً لتوسيع نفوذها.
وتكمن أهمية التطورات الراهنة في أن الشرق الأوسط يجمع بين ملفات شديدة الترابط: أمن الطاقة، والتجارة البحرية، والعلاقات الأميركية الخليجية، والتنافس مع الصين، والمواجهة مع إيران، فضلاً عن انعكاسات الحرب على أوروبا وآسيا. وإذا طال أمد الصراع، فقد تتجاوز آثاره حدود المنطقة إلى الطريقة التي تتخذ بها الدول قراراتها الأمنية والاقتصادية، والشركاء الذين تعتمد عليهم في الأزمات المقبلة.
من القطبية الأحادية إلى تعدد مراكز القوة
يقصد بالنظام الأحادي أن تتمتع دولة واحدة بتفوق واسع يجعلها صاحبة التأثير الأكبر في قواعد النظام الدولي، من دون أن يعني ذلك قدرتها على التحكم في جميع الدول أو منع كل الحروب. وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، برزت الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة، مستفيدة من تفوقها العسكري والاقتصادي ومن شبكة تحالفاتها في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
ولم تقم هذه المكانة على القوة العسكرية وحدها. فقد أسهمت مكانة الدولار في الاحتياطيات والتجارة والتمويل الدوليين، إلى جانب عمق الأسواق الأميركية ودور المؤسسات المالية الغربية، في منح واشنطن أدوات تأثير تتجاوز حدودها الجغرافية. كما وفرت التحالفات العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة قدرة على بناء ترتيبات أمنية جماعية وفرض عقوبات مالية واسعة التأثير.
لكن النظام الدولي لم يبقَ ثابتاً. فقد توسع الاقتصاد الصيني، واستعادت روسيا قدرة أكبر على ممارسة القوة العسكرية، وازدادت أهمية الهند وقوى إقليمية أخرى في التجارة والطاقة والدبلوماسية. وأصبحت دول عديدة تسعى إلى تنويع شراكاتها بدلاً من الاعتماد على قوة واحدة في جميع الملفات.
وهنا ينبغي التمييز بين تراجع التفوق النسبي لواشنطن وانهيار مكانتها. فقد تصبح الولايات المتحدة أقل قدرة على فرض خياراتها منفردة، من دون أن تفقد تفوقها في مجالات أساسية. كما أن صعود قوى أخرى لا يعني بالضرورة اتفاقها على نظام بديل واحد؛ فالصين وروسيا والهند وتركيا ودول الخليج تختلف في مصالحها وأولوياتها، وقد تتعاون في ملف وتتنافس في آخر.
هرمز والطاقة.. كيف تتحول الحرب الإقليمية إلى ضغط عالمي؟
يمثل مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، لأن اضطراب الملاحة فيه ينعكس سريعاً على إمدادات النفط والغاز وتكاليف الشحن والتأمين وأسعار الوقود. وكلما طال تعطّل حركة الطاقة أو اتسع نطاق الهجمات على السفن والمنشآت، ازدادت احتمالات انتقال الصدمة من أسواق الطاقة إلى التضخم والنمو والاستقرار المالي.
وأشارت تقارير اقتصادية حديثة إلى أن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران واضطراب الملاحة في هرمز ألقيا بظلالهما على إمدادات الطاقة العالمية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة والنقل. ويُظهر ذلك كيف يمكن لصراع إقليمي أن يفرض أعباء تتجاوز أطرافه المباشرين، ولا سيما على الاقتصادات المستوردة للطاقة والدول النامية ذات القدرة المحدودة على امتصاص الصدمات. <Cite refs={[“turn479202news47″,”turn479202news52”]} />
إذا استمر اضطراب الإمدادات فترة طويلة، فقد تضطر الدول إلى إعادة النظر في سياساتها المتعلقة بمخزونات الطاقة، وتنويع الموردين، وتأمين طرق التجارة. وقد تدفع هذه الظروف بعض الحكومات إلى تعزيز التعاملات بالعملات المحلية أو استخدام ترتيبات مالية بديلة في تجارة الطاقة، خصوصاً عندما تتقاطع المصالح التجارية مع الرغبة في تقليل التعرض للعقوبات أو الاضطرابات السياسية.
لكن من الخطأ افتراض أن ارتفاع أسعار النفط أو تعطل مضيق هرمز سيؤديان تلقائياً إلى انهيار النظام المالي الأميركي. فالولايات المتحدة منتج كبير للطاقة، وتملك أسواقاً مالية واسعة وقدرة على تعبئة موارد اقتصادية وعسكرية. وقد تتضرر هي الأخرى من ارتفاع أسعار الوقود والتضخم واضطراب الأسواق، لكن حجم الضرر يتوقف على مدة الأزمة وشدتها واستجابة الحكومات والشركات.
وتبرز هنا المفارقة الخليجية: فالاضطراب الذي قد يعزز أهمية بعض الدول المنتجة للطاقة يمنحها في الوقت نفسه حافزاً أقوى لحماية المنشآت والممرات البحرية ومنع اتساع الحرب. ولا تتطابق مصالح الدول الخليجية بالضرورة مع حسابات إيران أو القوى الكبرى؛ فاستقرار الصادرات والتجارة والاستثمار ركيزة أساسية لاقتصادات المنطقة وخططها التنموية.
أما السيناريو الأشد خطورة، فيتمثل في تحول صدمة الطاقة إلى أزمة اقتصادية عالمية مطولة تتزامن مع ديون مرتفعة وتباطؤ في النمو. في هذه الحالة، قد تتسع الضغوط على الحكومات وتزداد الدعوات إلى تنويع العلاقات التجارية والمالية. ومع ذلك، فإن الانتقال من هذه الضغوط إلى تحول دائم في ميزان القوة يحتاج إلى تغييرات مؤسسية واقتصادية تتجاوز تداعيات الحرب وحدها.
الدولار والتحالفات.. حدود التراجع الأميركي
يُعد الدولار إحدى الركائز الأساسية للنفوذ الأميركي، لكنه ليس مجرد أداة سياسية؛ فمكانته ترتبط أيضاً بحجم الاقتصاد الأميركي، وسيولة أسواقه، وتوافر الأصول المالية التي يثق بها المستثمرون، ودور العملة في التجارة والتمويل العالميين.
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الدولار مثّل نحو 57.13% من احتياطيات النقد الأجنبي المعلنة في الربع الأول من عام 2026. وتدل هذه النسبة على استمرار مركزيته، حتى مع توسع النقاش الدولي حول تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على عملة واحدة. <Cite refs={[“turn479202search1”]} />
لذلك، فإن الحديث عن نهاية قريبة لهيمنة الدولار لا تسنده هذه البيانات. والأكثر واقعية هو توقع استمرار محاولات التنويع، إذا وجدت الدول والشركات أن استخدام عملات أخرى أو أنظمة تسوية مختلفة يخدم مصالحها التجارية والمالية. غير أن إنشاء بديل واسع النطاق يتطلب أسواقاً عميقة وأصولاً آمنة وثقة مستدامة، فضلاً عن قابلية تحويل العملات وإمكانية استخدامها على نطاق دولي.
وتسعى مجموعة بريكس إلى توسيع التعاون الاقتصادي والمالي بين أعضائها، ومن بينهم الصين وروسيا والهند وإيران ومصر والإمارات والسعودية وجنوب أفريقيا، إلى جانب أعضاء آخرين. لكن المجموعة ليست تحالفاً عسكرياً موحداً، ولا تملك سياسة خارجية واحدة ملزمة لجميع أعضائها. كما أن اختلاف مصالح الدول الأعضاء يجعل بناء منظومة مالية بديلة متكاملة عملية أكثر تعقيداً من مجرد الاتفاق على تقليل الاعتماد على الدولار. <Cite refs={[“turn883378search12″,”turn883378news19”]} />
وفي هذا السياق، يكتسب التقارب السعودي الإيراني الذي رعته الصين عام 2023 أهمية تتجاوز العلاقة الثنائية؛ فقد أظهر أن بكين قادرة على أداء دور دبلوماسي مؤثر في ملف إقليمي بارز. لكنه لا يثبت أن الصين أصبحت بديلاً عن الولايات المتحدة في ضمان أمن الخليج، ولا أن الرياض أو طهران ستعتمدان عليها وحدها في إدارة علاقاتهما الخارجية. <Cite refs={[“turn479202search2”]} />
وتقدم الحرب اختباراً إضافياً لهذه المعادلة. فإذا تمكنت واشنطن من حماية مصالح شركائها، والمساهمة في احتواء الصراع، والحفاظ على حرية الملاحة، فقد تعزز ذلك أهمية التحالفات الأميركية. أما إذا طال الاضطراب وظهرت فجوات في الاستجابة أو تباينات حادة في المصالح، فقد تتجه دول المنطقة إلى توسيع خياراتها الأمنية والدبلوماسية، لا إلى التخلي بالضرورة عن شراكاتها القائمة.
ولا يقتصر التنافس على الصين وروسيا. فالهند تسعى إلى توسيع دورها الاقتصادي والاستراتيجي، وتركيا تتحرك وفق حساباتها الإقليمية، بينما تملك السعودية والإمارات وغيرها من دول الخليج أدوات تأثير مرتبطة بالطاقة والاستثمار والدبلوماسية. وفي المقابل، تبقى بريطانيا واليابان قوتين اقتصاديتين وتقنيتين مهمتين، لكن ارتباطهما بتحالفات أمنية تقودها واشنطن يجعل من غير الدقيق تصنيفهما تلقائياً قطبين مستقلين عن المعسكر الغربي.
ثلاثة مسارات محتملة للنظام العالمي
المسار الأول هو التآكل التدريجي للهيمنة الأميركية. ففي حال استمرت الأزمات المتزامنة في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، فقد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى توزيع مواردها بين جبهات متعددة. ولا يعني ذلك عجزاً أميركياً شاملاً، بل ارتفاع تكلفة إدارة الأزمات، وتزايد الحاجة إلى شركاء، واتساع المساحة المتاحة أمام القوى الأخرى للتفاوض والمناورة.
أما المسار الثاني فهو تسارع تعدد الشراكات الاقتصادية والمالية. فقد تدفع اضطرابات الطاقة والعقوبات وتكاليف التجارة دولاً إلى بناء قنوات دفع إضافية، وتنويع احتياطياتها ومورديها، وتعزيز التعاون ضمن أطر مثل بريكس. لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على مدى قدرة تلك الترتيبات على تقديم بدائل موثوقة وقابلة للاستمرار، لا على الرغبة السياسية وحدها.
ويتمثل المسار الثالث في إعادة تشكيل التوازنات من داخل النظام القائم. فقد تحافظ الولايات المتحدة على موقعها المركزي، بينما تحصل الصين والهند وقوى أخرى على نفوذ أكبر في ملفات محددة، وتصبح القرارات الدولية أكثر اعتماداً على التفاوض بين عدة مراكز قوة. وقد يكون هذا السيناريو أقرب إلى تعددية متدرجة من انتقال مفاجئ بين نظامين منفصلين.
وتؤثر الأوضاع الداخلية في الولايات المتحدة وأوروبا أيضاً في هذه المسارات. فالاستقطاب السياسي، وأعباء الديون، والضغوط المعيشية، والخلافات حول توزيع تكاليف الدفاع قد تؤثر في استعداد الحكومات لتحمل التزامات خارجية طويلة الأمد. لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الغرب يتجه حتماً إلى الانكفاء؛ إذ تظل لديه موارد اقتصادية وتقنية ومؤسسية كبيرة، وقدرة على التكيف مع الأزمات.
هل تقود تعددية الأقطاب إلى عالم أكثر استقراراً؟
لا تضمن تعددية الأقطاب نهاية الحروب أو نشوء نظام دولي أكثر عدالة. فتعدد مراكز القوة قد يتيح للدول خيارات أوسع، لكنه قد يزيد أيضاً صعوبة التوصل إلى تسويات، ويخلق منافسة أشد على مناطق النفوذ والطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية.
كما أن وجود قوى متعددة لا يعني أنها ستتعاون تلقائياً. فقد تتعارض مصالح الصين وروسيا والهند، أو تختلف أولويات دول الخليج وتركيا وإيران، حتى عندما تشترك هذه الأطراف في الدعوة إلى إصلاح المؤسسات الدولية أو الحد من الانفراد بالقرار. ولهذا فإن شكل النظام المقبل لن تحدده قوة دولة واحدة فقط، بل طبيعة التحالفات والقواعد والمؤسسات التي ستنظم التنافس بينها.
وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، قد يفتح تراجع الاعتماد على وسيط واحد المجال أمام ترتيبات دبلوماسية أكثر تنوعاً، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تضارب الضمانات الأمنية إذا تنافست القوى الكبرى من دون آليات واضحة لخفض التصعيد. ومن ثم، فإن مصالح دول المنطقة ترتبط بقدرتها على حماية سيادتها وتنويع شراكاتها، مع تجنب تحويل أراضيها وممراتها الاقتصادية إلى ساحات مفتوحة لصراع القوى الكبرى.
ما وراء الخبر
قد لا تكون النتيجة الأهم لحرب الخليج سقوط النظام الأحادي الأميركي، بل كشف حدود قدرة أي قوة على إدارة عالم تتشابك فيه الطاقة والأمن والتجارة والمال. فكلما ارتفعت تكلفة احتواء الأزمات، ازدادت أهمية الشركاء الإقليميين والدوليين، واتسعت الحاجة إلى ترتيبات تتجاوز الاعتماد على مركز واحد.
ومع ذلك، فإن الانتقال إلى نظام متعدد الأقطاب ليس نتيجة آلية للحرب، ولا يكفي اضطراب سوق النفط أو تراجع نسبي في نفوذ واشنطن لإثبات حدوثه. فالمعيار الأهم سيكون ما إذا كانت القوى الصاعدة قادرة على تحويل وزنها الاقتصادي والدبلوماسي إلى مؤسسات مستقرة، وشراكات طويلة الأمد، وقدرة فعلية على إدارة الأزمات.
من هرمز إلى الدولار، تضع الحرب هذه الأسئلة أمام النظام الدولي، لكنها لا تقدم إجابات نهائية عنها بعد. وقد يكون العالم مقبلاً على توزيع أوسع للقوة، لا على اختفاء الدور الأميركي؛ وعلى منافسة أكثر تعقيداً بين القوى الكبرى، لا على ولادة قيادة عالمية بديلة متفق عليها.
وفي نهاية المطاف، لن تصنع الحرب وحدها النظام العالمي المقبل. ستتوقف ملامحه على نتائج الصراع، وقدرة الدول على احتواء تداعياته، وخيارات القوى الكبرى بعد توقف القتال، ومدى استعدادها لبناء قواعد تمنع تكرار الأزمات بدلاً من الاكتفاء بإدارة آثارها.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *