لم تكن إزاحة عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب الليبي مجرد تغيير في اسم رئيس المؤسسة التشريعية، بعد نحو 12 عاماً في المنصب؛ بل جاءت في لحظة تتداخل فيها الخلافات داخل المعسكر الشرقي، وتتزايد فيها التساؤلات بشأن اتساع نفوذ عائلة خليفة حفتر، بالتزامن مع محاولات دولية لإعادة توحيد المؤسسات وتهيئة الطريق أمام الانتخابات. والسؤال الأهم ليس من خلف صالح فحسب، بل ما إذا كان هذا التحول سيغيّر قواعد إدارة الصراع السياسي في ليبيا، أم سيعيد توزيع النفوذ داخل المعسكر نفسه.
وذكرت وكالة رويترز، في تقرير نشرته في 6 أكتوبر 2026، أن أعضاء في مجلس النواب المتمركز في شرق ليبيا انتخبوا الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس خلفاً لصالح، بعد إقرار قاعدة تحدد مدة تولي رئيس المجلس ونائبيه بسنة واحدة. ونقلت الوكالة عن النائب جبريل أوحيدة أن القرار جاء وسط استياء من أسلوب اتخاذ بعض القرارات من دون التشاور مع أعضاء المجلس، بما يعكس وجود خلافات داخل المؤسسة، لا مجرد رغبة في تبديل القيادة.
وفي تطور يضيف بُعداً مهماً إلى الجدل بشأن شرعية الانتخاب، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في بيان صدر في 8 أكتوبر/تشرين الأول، أنها تابعت جلستي مجلس النواب في بنغازي. وأوضحت أن جلسة 5 أكتوبر شهدت مشاركة 102 عضو، صوّت 98 منهم لصالح تعديل النظام الداخلي وإقرار مدة لا تتجاوز 12 شهراً لرئاسة المجلس ونائبيه، فيما شهدت جلسة 6 أكتوبر مشاركة 111 عضواً على الأقل وانتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس وهيئة رئاسة جديدة. وأكدت البعثة استمرار تواصلها مع القيادة الجديدة وأعضاء المجلس لدفع خارطة الطريق السياسية نحو توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات. ويمنح هذا الموقف التطور وزناً سياسياً إضافياً، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع الاعتراضات القانونية على الإجراءات قد حُسمت.
وكان عقيلة صالح قد رفض الإجراءات، معتبراً أن الجلسة التي أفضت إلى انتخاب خلفه غير رسمية ولا تترتب عليها آثار قانونية. وأشارت تغطيتا الجزيرة و«ذا ناشيونال» إلى هذا الاعتراض، ما يضع القيادة الجديدة أمام اختبار يتجاوز انتخابها: هل تستطيع تثبيت شرعيتها داخل المجلس وتجنب تحول التغيير إلى نزاع مؤسسي جديد؟
تكمن أهمية التطور في أن مجلس النواب أحد مراكز السلطة الرئيسية في شرق ليبيا، ضمن مشهد منقسم بين سلطات ومؤسسات متنافسة. لذلك، قد يؤدي تغيير رئيس المجلس إلى تعديل آليات اتخاذ القرار وتوزيع النفوذ داخل المعسكر الشرقي، لكنه لا يكفي وحده لإنهاء الانقسام بين الشرق والغرب، أو تسوية الخلافات بشأن الحكومة والقاعدة الدستورية للانتخابات والجهة المخولة بالإشراف عليها.
وتتصل هذه التحولات أيضاً بمسألة النفوذ المتنامي لأبناء خليفة حفتر، وخصوصاً صدام حفتر. فقد تناولت الجزيرة في تغطيتها للتغيير البرلماني قراءة للباحث الليبي عماد الدين بادي، من معهد تشاتام هاوس، مفادها أن إزاحة صالح قد تكون أحدث حلقات مسار يهدف إلى تركيز القرار في شرق ليبيا. وتظل هذه قراءة تحليلية للمشهد، لا دليلاً مستقلاً على وجود خطة واحدة تقف وراء جميع التطورات؛ غير أنها تطرح سؤالاً مشروعاً عن العلاقة بين إعادة ترتيب المؤسسات المدنية وتوازنات القوة على الأرض.
وهنا تظهر المفارقة: قد يمنح تغيير القيادة البرلمانية القوى الأكثر نفوذاً في الشرق قدرة أكبر على تنسيق مواقفها، لكنه قد يثير في الوقت نفسه مخاوف من تضييق مساحة التوافق داخل المؤسسات. فالاستقرار السياسي لا يُقاس بسرعة حسم الخلافات أو بمدى انسجام مراكز القوة، بل بقدرة المؤسسات على اتخاذ قرارات تحظى بقبول قانوني وسياسي واسع، وتكون قابلة للتطبيق خارج قاعات الاجتماعات.
ويتزامن ذلك مع مسار دولي يسعى إلى إخراج ليبيا من حالة الانسداد. ففي 30 أغسطس/آب 2026، أفادت رويترز بأن أطرافاً ليبية توصلت، خلال محادثات برعاية الأمم المتحدة، إلى خارطة طريق تستهدف إجراء الانتخابات خلال 24 شهراً. وشملت الجهود معالجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية وإصلاح المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي ملفات تعثرت حولها محاولات التسوية السابقة مراراً.
غير أن الاتفاق على جدول زمني لا يضمن الوصول إلى صناديق الاقتراع. فالتحدي يكمن في الاتفاق على قواعد انتخابية مقبولة، وتحديد كيفية التعامل مع الخلافات الدستورية، وضمان ألا تتحول المؤسسات المشرفة على العملية إلى ساحة جديدة للتنافس بين مراكز النفوذ. كما أن وجود تفاهم بين أطراف نافذة لا يغني عن قبول أوسع للعملية السياسية ولا يحل تلقائياً أزمة الشرعية التي رافقت المؤسسات الليبية لسنوات.
وتزداد الصورة تعقيداً مع ما نشرته صحيفة الغارديان في أكتوبر بشأن اتهامات مرتبطة بهجمات بطائرات مسيّرة على منشآت للطاقة في غرب ليبيا، وتداعياتها المحتملة على جهود توحيد المؤسسات. وتناول التقرير مزاعم عن صلات بعناصر مرتبطة بصدام حفتر؛ وهي اتهامات ينبغي عرضها بوصفها مزاعم منسوبة إلى مصادرها، لا حقائق قضائية محسومة. لكن ورودها في سياق المحادثات السياسية يوضح كيف يمكن للمخاوف الأمنية والصراع على النفوذ أن يقوضا الثقة المطلوبة لإنجاح أي مسار تفاوضي.
كما أن مسار التفاهمات المعروفة بصيغة «4+4» لا يواجه اختباراً إجرائياً فقط، بل خلافات حول المرجعية التي ينبغي أن تحكم الانتقال السياسي. وتشير المتابعات الأممية إلى أن التفاهمات التي أُعلن عنها في أغسطس لم تُنهِ الخلاف بين المؤسسات بشأن آليات تنفيذ الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما يجعل التقدم مرهوناً بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات إلى قواعد واضحة ومقبولة، بدلاً من الاكتفاء بإعلانات سياسية






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *