لم يعد التصعيد بين السعودية والحوثيين يُقاس بعدد الضربات المتبادلة داخل اليمن فقط. خلال الأيام الأخيرة انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً، بعدما تزامنت الهجمات المنسوبة إلى الحوثيين على مطارات ومنشآت داخل السعودية مع معارك متسارعة على الساحل اليمني قرب باب المندب، في وقت بدأت فيه الرياض بتفعيل ترتيبات دفاعية جديدة مع تركيا وباكستان.
هذه التطورات تضع السعودية أمام اختبار مختلف: كيف تحافظ على قدرتها على الردع والدفاع عن أراضيها ومصالحها، من دون أن تفقد السيطرة على سقف التصعيد؟
هذه هي المسألة التي تبدو أكثر أهمية من مجرد السؤال عما إذا كانت الرياض ستواصل عملياتها العسكرية.
من الدفاع عن المجال الجوي إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية
خلال الخميس، سُمع دوي انفجارات في الرياض، بينما أعلن الحوثيون أنهم استهدفوا مطار الملك خالد الدولي بصاروخ باليستي. ولم تؤكد السلطات السعودية إصابة المطار مباشرة، فيما أعلنت قوات التحالف اعتراض صاروخين فوق العاصمة، وقالت السلطات إن شظايا ناجمة عن عملية الاعتراض ألحقت أضراراً بمنشأة طبية وروضة أطفال.
وفي وقت لاحق، تسببت التطورات في اضطراب واسع لحركة الطيران. وبحسب صحيفة فايننشال تايمز، أُلغيت أكثر من 100 رحلة من الرياض، بينما أظهرت بيانات شركة Cirium إلغاء 188 رحلة، أي أكثر من 40% من رحلات اليوم في وقت رصد البيانات، مع تعليق شركات دولية رحلاتها إلى العاصمة السعودية.
وتكمن أهمية هذه التطورات في أن المطارات ليست مجرد أهداف عسكرية؛ فهي عقد اقتصادية ومدنية، وأي اضطراب طويل فيها يرفع تكلفة التصعيد حتى عندما لا تكون المنشأة نفسها قد أصيبت إصابة مباشرة.
وهنا تظهر إحدى أهم معادلات المرحلة: قدرة السعودية على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة لا تقاس فقط بمنع الإصابة، وإنما أيضاً بقدرتها على منع الهجمات من تحويل الحياة الاقتصادية والمدنية إلى جزء دائم من ساحة الحرب.
لماذا أصبح باب المندب جزءاً من الحساب السعودي؟
الجانب الآخر من المعادلة موجود على الساحل اليمني. فبحسب وكالة أسوشيتد برس، تركزت العمليات الأخيرة حول مضيق باب المندب، حيث تحاول القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية استعادة مناطق استراتيجية على الساحل، بعدما تمكن الحوثيون خلال الأسابيع الماضية من تحقيق مكاسب في المنطقة. وتقول الوكالة إن أهمية باب المندب ازدادت بالنسبة للسعودية بسبب اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، إذ أصبح الساحل الغربي أحد المسارات المهمة لحسابات صادرات الطاقة والأمن البحري.
وهنا تتغير طبيعة المسألة بالنسبة إلى الرياض. فإذا كانت الهجمات الجوية تمثل تهديداً مباشراً للداخل السعودي، فإن السيطرة على مناطق قريبة من باب المندب تمثل تهديداً محتملاً للبيئة البحرية والاقتصادية التي تعتمد عليها المملكة والمنطقة.
وتشير قراءة أسوشيتد برس إلى أن نحو 12% من التجارة العالمية تمر عبر باب المندب، بينما أصبح المضيق أكثر أهمية بالنسبة لصادرات النفط السعودية في ظل الاضطرابات التي شهدها هرمز.
لذلك، فإن ربط التطورات الجوية في الرياض بما يحدث على الساحل اليمني يكشف أن المعركة لم تعد ذات محور واحد.
شبكة دفاع جديدة.. ولكن من دون إعلان حرب إقليمية
التحول الآخر اللافت يتمثل في دخول تركيا وباكستان إلى الحسابات الأمنية السعودية.
صحيفة فايننشال تايمز أفادت بأن السعودية وتركيا وباكستان فعّلت لأول مرة اتفاق الدفاع المشترك الذي جرى توقيعه في أغسطس، بعد الهجمات على أهداف سعودية، فيما أوضحت أن تركيا لا تستطيع نشر قوات بموجب الاتفاق قبل استكمال الإجراءات البرلمانية اللازمة.
وفي اليوم التالي، نقلت رويترز عن مسؤولين أن الدعم التركي للسعودية يركز أساساً على الجوانب الدفاعية والتقنية، بما في ذلك قدرات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والدعم الفني، وليس على تنفيذ عمليات هجومية داخل اليمن.
هذه التفاصيل مهمة؛ لأنها تعني أن التحرك السعودي لا ينبغي قراءته تلقائياً باعتباره محاولة لتوسيع الحرب إقليمياً.
هناك مسار مختلف يمكن رصده: بناء طبقات إضافية من الردع والدفاع حول السعودية، في وقت تتعرض فيه البنية الأمنية للمملكة لاختبار متزامن من الجو والبحر.
وهذا لا يعني أن المسار خالٍ من المخاطر. على العكس، دخول أطراف إقليمية جديدة إلى المعادلة قد يزيد قدرة السعودية على الدفاع عن أراضيها، لكنه في الوقت نفسه يجعل أي خطأ في الحسابات أكثر قابلية للتوسع.
معادلة صعبة: الرد من دون الانجرار
اللافت في التغطية الغربية أن السعودية لا تظهر فقط باعتبارها طرفاً يشن هجوماً في اليمن، وإنما أيضاً كدولة تتعرض لهجمات مباشرة على أراضيها.
وتقول CNN إن الحوثيين وسعوا قائمة أهدافهم لتشمل مطارات ومنشآت نفطية سعودية، بينما تزامنت الضربات السعودية مع تحركات دفاعية من باكستان وتركيا. وتلفت الشبكة إلى أن باب المندب يمثل ورقة ضغط تتجاوز اليمن والسعودية لتصل إلى أسعار النفط والاقتصاد العالمي.
وفي الوقت نفسه، لا تتجاهل التغطية الغربية الجانب الآخر من الصورة. فالأمم المتحدة تحذر من اتساع الأزمة الإنسانية في اليمن، فيما تشير CNN إلى نزوح أكثر من 184 ألف شخص منذ أغسطس، مع تراجع الموارد الإنسانية وارتفاع المخاطر الصحية.
وهذه نقطة أساسية في أي قراءة مسؤولة للمشهد: الحقائق الأمنية التي تواجهها السعودية لا تلغي التكلفة الإنسانية للحرب، كما أن الكلفة الإنسانية لا تلغي حقيقة تعرض الأراضي والمنشآت السعودية لهجمات. القراءتان يمكن أن تكونا صحيحتين في الوقت نفسه.
ما وراء الخبر: الرياض تختبر نموذجاً جديداً للردع
المؤشر الأهم في التطورات الحالية ليس بالضرورة حجم الضربات السعودية، وإنما طريقة توزيع أدوات الردع.
هناك دفاع جوي لحماية المدن والمنشآت، وعمليات عسكرية لدعم القوات الحكومية اليمنية، وتحرك على الساحل لمنع تحول باب المندب إلى ورقة ضغط دائمة، واتفاقات دفاعية مع قوى إقليمية يمكن أن توفر قدرات إضافية.
وهذا يفسر لماذا تبدو المعركة مختلفة عن جولات الحرب السابقة.
السعودية لا تواجه جبهة يمنية تقليدية فقط؛ بل تواجه مشكلة أمنية متعددة الطبقات: صواريخ ومسيّرات في الجو، منشآت ومطارات في الداخل، ممرات بحرية في الجنوب، وأسواق طاقة شديدة الحساسية في الخارج.
وفي هذا السياق، يصبح نجاح السياسة السعودية مرتبطاً بقدرتها على تحقيق معادلتين في الوقت نفسه: رفع تكلفة الهجمات على المملكة، مع إبقاء التصعيد تحت سقف يمكن التحكم فيه سياسياً وعسكرياً.
أما تحويل المواجهة إلى حرب مفتوحة بلا سقف واضح، فقد يخلق مشكلة مختلفة؛ إذ يمكن أن تتسع ساحات الاشتباك، وترتفع كلفة حماية المنشآت والطيران والملاحة، وتزداد الضغوط الإنسانية والاقتصادية.
لهذا فإن المرحلة المقبلة لا تبدو اختباراً لقدرة السعودية على استخدام القوة فحسب، وإنما لاختبار قدرتها على إدارة القوة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية التطورات الحالية: فالمعركة حول باب المندب والهجمات على الرياض ليستا بالضرورة حربين منفصلتين، بل جزء من بيئة أمنية واحدة تتقاطع فيها حماية الأراضي السعودية مع أمن الملاحة والطاقة.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأهم: من يوجه الضربة الأكبر؟ بل: من يستطيع فرض معادلة ردع جديدة من دون أن تتحول هذه المعادلة نفسها إلى وقود لجولة أطول من الحرب؟ وهذه هي المساحة التي ستحدد إلى حد كبير شكل المواجهة السعودية الحوثية في المرحلة المقبلة.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *