لم يكن السؤال الأبرز بعد الهجوم الدامي على مطار الملك خالد الدولي في الرياض هو حجم الخسائر البشرية وحده، بل لماذا لم تعلن جماعة الحوثيين مسؤوليتها صراحة عن الهجوم الأخير، رغم اتهام التحالف العسكري بقيادة السعودية لها، وتصاعد هجماتها على المملكة خلال الأسبوع نفسه.
فالهجوم الذي وقع السبت 10 أكتوبر 2026 أسفر، وفق الهيئة العامة للطيران المدني السعودية، عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين. وبينما حمّل التحالف الحوثيين المسؤولية وتوعد بالرد، قالت وكالتا رويترز وأسوشيتد برس إن الجماعة لم تعلن تبنّي الهجوم الأخير حتى وقت نشر تقاريرهما، خلافاً لهجمات سابقة على مطار الرياض أعلنت مسؤوليتها عنها.
لكن غياب إعلان مباشر لا يعني بالضرورة غياب الرسالة السياسية أو العسكرية. فالتصريحات المنسوبة إلى مسؤول الإعلام الحوثي بشأن تعطيل مطار الرياض، والتحذيرات السابقة لشركات الطيران من استخدام المجال الجوي السعودي، تشير إلى أن الجماعة أرادت إبراز قدرتها على تهديد حركة الطيران، حتى مع عدم إعلانها مسؤوليتها عن الضربة الأخيرة بصورة واضحة.
هل هو صمت أم تبنٍّ غير مباشر؟
تقدم التغطية الغربية تمييزاً مهماً بين الهجوم الأخير والهجمات التي سبقته. فقد أفادت رويترز بأن الحوثيين أعلنوا مسؤوليتهم عن هجومين سابقين خلال الأسبوع، بينما لم يصدر عنهم إعلان مباشر مماثل بشأن الهجوم الذي أوقع 12 قتيلاً و309 مصابين.
وفي الوقت نفسه، نقلت الوكالة عن مسؤول في المكتب الإعلامي الحوثي قوله إن الجماعة «أغلقت مطار الرياض الدولي»، في إشارة إلى نتيجة الهجوم وتعطيل المطار، من دون أن يكون ذلك إعلاناً صريحاً عن تنفيذ الضربة التي خلّفت الحصيلة البشرية الأكبر.
وهنا تكمن نقطة التحليل: قد تكون الجماعة اختارت إبقاء رسالتها عند مستوى الادعاء بالتأثير في حركة الطيران، بدلاً من إصدار بيان عسكري يعلن تنفيذ الهجوم الأخير بكل تفاصيله. لكن لا توجد، حتى وقت إعداد هذا التحليل، أدلة علنية كافية للجزم بأن هذا كان قراراً متعمداً أو أن وراءه توجيهاً محدداً من قيادة الجماعة.
حسابات الرد السعودي والأميركي
أحد التفسيرات المحتملة لغياب إعلان المسؤولية هو أن التبنّي الصريح لهجوم أوقع هذا العدد من الضحايا قد يمنح الرياض وواشنطن مبرراً سياسياً أوسع لتصعيد الرد العسكري، ولا سيما أن الهجوم استهدف منشأة مدنية رئيسية وأوقع قتلى من جنسيات متعددة.
وقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده تدرس احتمال الانضمام إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين، فيما أدان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الهجمات على المطارات والمنشآت المدنية. لكن ترامب لم يعلن قراراً نهائياً بالمشاركة في العمليات، ولا يوجد ما يثبت أن غياب التبنّي الحوثي كان سبباً في موقف واشنطن.
بالنسبة إلى الحوثيين، قد يكون تجنب إعلان المسؤولية المباشر وسيلة لتقليل الكلفة السياسية أو إبقاء مساحة للمناورة في مواجهة التهديدات بالرد. غير أن هذا يظل تفسيراً محتملاً، لا حقيقة مثبتة؛ إذ يمكن أن يكون عدم الإعلان مرتبطاً أيضاً باعتبارات تنظيمية أو إعلامية أو بتوقيت إصدار البيانات.
الرسالة إلى شركات الطيران قد تكون أهم من بيان التبنّي
قبل الهجوم الأخير، كانت الجماعة قد حذرت شركات الطيران من استخدام المجال الجوي السعودي، ووصفت المنطقة بأنها مسرح لعمليات عسكرية، مع استثناء المجال الجوي فوق مكة المكرمة والمدينة المنورة وفق ما نقلته تقارير غربية.
هذه التحذيرات تمنح الهجمات بعداً يتجاوز استهداف منشأة بعينها؛ فهي تضغط على حركة السفر، وتدفع شركات الطيران إلى إعادة تقييم المخاطر، وتزيد احتمال إلغاء الرحلات أو تحويل مساراتها.
وقد وثقت رويترز وأسوشيتد برس اضطرابات في الرحلات وإجراءات احترازية اتخذتها شركات طيران، كما أشارت تقارير إلى تحذيرات أوروبية بشأن مخاطر الصواريخ والطائرات المسيّرة وعمليات الاعتراض الجوي واحتمال تعرّض الطائرات المدنية للخطر.
ومن هذا المنظور، قد ترى الجماعة أن إثبات قدرتها على تعطيل الحركة الجوية يحقق جزءاً من رسالتها الردعية حتى من دون تبنٍّ رسمي لكل ضربة. لكن ذلك لا يثبت أنها تعمدت الامتناع عن الإعلان لهذا السبب تحديداً.
الغموض يمنح الجماعة مساحة للمناورة.. لكنه لا يمحو المسؤولية
في النزاعات المسلحة، قد يحمل إعلان المسؤولية قيمة دعائية؛ إذ يسمح للجهة المنفذة بتقديم الهجوم باعتباره إنجازاً عسكرياً، وإظهار قدرتها على الوصول إلى أهداف بعيدة. وفي المقابل، قد يؤدي الإعلان عن هجوم يوقع أعداداً كبيرة من الضحايا المدنيين إلى زيادة الضغط الدولي، وتقوية المواقف المطالبة برد عسكري أو بعقوبات.
وقد يكون الغموض، في بعض الحالات، مفيداً للحفاظ على مساحة للمناورة السياسية والإعلامية. لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن الجماعة اختارت الصمت لتجنب المسؤولية أو لتفادي رد سعودي وأميركي.
كما أن عدم التبنّي لا ينفي المسؤولية تلقائياً، تماماً كما أن الاتهام السياسي أو العسكري لا يشكل وحده دليلاً مستقلاً كاملاً على الجهة المنفذة. ويقتضي التقييم الدقيق جمع البيانات الرسمية والأدلة الفنية والمعلومات الموثوقة، مع الفصل بين ما هو معلن وما لا يزال غير محسوم.
ما وراء الخبر
تبدو المفارقة الأساسية أن الهجوم الأخير أحدث أثراً أمنياً وإنسانياً واسعاً، في وقت لم يصدر فيه تبنٍّ حوثي صريح له، رغم إعلان الجماعة مسؤوليتها عن هجمات سابقة على المطار نفسه.
وقد يعكس ذلك حسابات مختلفة تتعلق بالتوقيت، أو الرسائل الموجهة إلى شركات الطيران، أو إدارة مخاطر الرد العسكري، أو طبيعة التواصل الإعلامي للجماعة. لكن الأدلة المنشورة لا تسمح بترجيح تفسير واحد على نحو قاطع.
والأهم أن غياب الإعلان لا يعني أن التصعيد فقد أثره. فقد تعطلت حركة الطيران، وسقط ضحايا من جنسيات متعددة، وبرز احتمال اتساع التدخل الأميركي، فيما تواجه السعودية تحدياً أمنياً متزامناً مع استئناف المواجهة العسكرية في اليمن.
السؤال ليس فقط لماذا لم يعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجوم مطار الرياض، بل ما الذي تحققه الجماعة من إبقاء المسؤولية المباشرة غير معلنة، في وقت توصل فيه رسائلها إلى أن المجال الجوي السعودي بات جزءاً من ساحة المواجهة. وحتى ظهور أدلة أو تصريحات جديدة، يظل هذا تفسيراً تحليلياً مفتوحاً، لا حقيقة مؤكدة عن نيات الجماعة.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *