الرئيسية/التحليلات/واشنطن تراهن على خنق إيران اقتصادياً.. لماذا تطول المواجهة؟
التحليلات

واشنطن تراهن على خنق إيران اقتصادياً.. لماذا تطول المواجهة؟

تراهن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تشديد الضغط الاقتصادي والبحري على إيران لإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات، لكن استمرار صادرات نفط إيرانية رغم الحصار والعقوبات، بالتزامن مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز.

ناقلات النفط تعبر مضيق هرمز وسط مخاطر متصاعدة

تراهن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تشديد الضغط الاقتصادي والبحري على إيران لإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات، لكن استمرار صادرات نفط إيرانية رغم الحصار والعقوبات، بالتزامن مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، يكشف الفجوة بين الأهداف الأميركية المعلنة والنتائج التي يمكن تحقيقها سريعاً.

وفي تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الجمعة 9 أكتوبر، قالت الصحيفة إن الإدارة الأميركية انتقلت إلى حملة ضغط اقتصادي طويلة بعد تعثر اتفاق مؤقت مع طهران، بعدما كانت قد تعهدت بتحقيق نتائج سريعة تضرب قدرة إيران على تصدير النفط وتشغيل شركات الطيران التابعة لها.

وتستهدف الحملة تقليص الإيرادات التي تعتمد عليها الحكومة الإيرانية لتمويل أنشطتها، من خلال الحصار البحري والعقوبات على الشبكات المالية وشركات النقل والسفن التي تنقل النفط الإيراني. لكن الصحيفة أشارت إلى أن إيران واصلت تصدير كميات من النفط، مستفيدة من مخزونات سابقة وطرق نقل برية، رغم تراجع قدرتها على البيع والتصدير.

وفي أحدث خطوة ضمن هذه السياسة، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في 8 أكتوبر فرض عقوبات جديدة على أفراد وشبكات و17 سفينة قالت واشنطن إنها مرتبطة بنقل النفط الإيراني ومشتقاته. وتندرج الإجراءات ضمن حملة تستهدف ما تصفه الولايات المتحدة بأسطول الظل الذي تستخدمه إيران لتجاوز القيود المفروضة على صادراتها.

وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تستهدف تجفيف مصادر التمويل الإيراني، بينما يرى خبراء نقلت عنهم الصحيفة أن التأثير الحاسم للعقوبات يتطلب وقتاً واستمراراً في تنفيذها، وأن النتائج لا يمكن قياسها بمجرد صدور قرارات جديدة.

لماذا لا تحقق العقوبات نتائج سريعة؟

تعتمد استراتيجية الضغط الأميركية على فرض كلفة مالية متزايدة على طهران، عبر الحد من قدرتها على بيع النفط وتحصيل عائداته والوصول إلى النظام المالي الدولي. لكن العقوبات لا توقف التجارة تلقائياً؛ إذ يمكن أن تستمر بعض الشحنات التي جرى تحميلها أو بيعها سابقاً، كما قد تلجأ الشركات والوسطاء إلى تغيير مسارات النقل وآليات الدفع.

وتبرز هنا مشكلة أساسية أمام واشنطن: إحداث ضرر اقتصادي لا يعني بالضرورة تحقيق تنازل سياسي سريع. فحتى مع تقلص الإيرادات، تظل استجابة القيادة الإيرانية مرتبطة بحسابات أمنية وسياسية أوسع، وبمدى استعدادها لتحمل الخسائر مقابل الحفاظ على مواقفها التفاوضية.

ويعني ذلك أن نجاح الضغط الاقتصادي يتوقف على أكثر من حجم العقوبات المعلنة؛ فهو يتطلب مراقبة مستمرة لشبكات النقل والتمويل، وتعاوناً دولياً للحد من الالتفاف على القيود، إلى جانب وجود مسار تفاوضي يمكن أن يحول الضغط إلى اتفاق.

وفي المقابل، فإن استمرار الحملة من دون نتائج سياسية واضحة قد يطيل حالة عدم اليقين في الأسواق، ويزيد مخاطر الاحتكاك البحري، خصوصاً إذا حاولت طهران استخدام أوراقها الإقليمية لرفع كلفة الضغط الأميركي.

مضيق هرمز يربط المواجهة بأسواق الطاقة

لا تقتصر المواجهة على العقوبات؛ فمضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، أصبح ساحة ضغط متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران. وفي تقرير نشرته «واشنطن بوست» في 8 أكتوبر، قالت الصحيفة إن هجمات على سفن في المضيق أدت إلى تعطيل تدفقات النفط، مع تسجيل إصابات في تسع سفن على الأقل خلال أسبوع وفق التقرير.

وتضع هذه التطورات أسواق الطاقة أمام معادلة معقدة: تسعى واشنطن إلى تقليص الإيرادات النفطية الإيرانية، لكن اضطراب الملاحة يمكن أن يرفع كلفة التأمين والشحن وأسعار الوقود، بما ينعكس على المستهلكين والاقتصادات المستوردة للطاقة.

وقد أظهرت تحركات أسعار النفط خلال الأيام الأخيرة حساسية السوق تجاه المخاطر الجيوسياسية. كما أفادت «رويترز» في 9 أكتوبر بأن أسعار الديزل الأميركية بقيت مرتفعة رغم إجراءات اتخذتها الإدارة لزيادة الإمدادات، في ظل اضطرابات أوسع في أسواق الوقود. ولا يمكن إرجاع تحركات الأسعار إلى عامل واحد، لكن استمرار الصراع يضيف مصدراً مهماً لعدم اليقين.

وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن استمرار المخاطر البحرية يضع أمن صادرات الطاقة وحرية الملاحة في صدارة الأولويات، حتى عندما تتوفر مسارات بديلة لنقل جزء من الإمدادات. فهذه المسارات تخفف بعض الضغوط، لكنها لا تلغي المخاطر المرتبطة باتساع رقعة المواجهة.

اليمن وباب المندب يوسعان دائرة المخاطر

يتصل أمن الخليج أيضاً بالتطورات في اليمن والبحر الأحمر. فقد أشار تقرير «واشنطن بوست» عن تصاعد الهجمات في مضيق هرمز إلى استمرار التوتر في اليمن، حيث استهدف الحوثيون بنى تحتية نفطية سعودية، وفق ما أوردته الصحيفة.

ويعني تزامن التوتر في الممرات البحرية أن المخاطر لا تقتصر على مسار واحد؛ فمضيق هرمز يقع في قلب حركة صادرات الطاقة الخليجية، بينما يمثل باب المندب ممراً استراتيجياً لحركة التجارة بين البحر الأحمر وخليج عدن. وأي اضطراب متزامن في هذه الممرات قد يزيد تكاليف النقل ويعقّد حسابات شركات الشحن والتأمين.

لكن الربط بين الضغوط على إيران والتطورات في اليمن لا يثبت، بمفرده، أن كل تحرك ميداني يجري بتوجيه مباشر من طهران. ويتطلب تحديد طبيعة العلاقة بين الأطراف الاستناد إلى أدلة موثقة لكل حادثة، والتمييز بين الدعم السياسي أو العسكري وبين اتخاذ القرار العملياتي.

ومن هنا، فإن التحدي أمام دول المنطقة لا يقتصر على متابعة العقوبات أو أسعار النفط، بل يشمل حماية البنية التحتية للطاقة، وتأمين طرق التجارة، وتقليل احتمالات انتقال التصعيد من جبهة إلى أخرى.

اختبار طويل للضغط الأميركي

تواجه واشنطن معادلة تتجاوز فرض العقوبات: كيف تحافظ على الضغط الاقتصادي من دون أن يتحول إلى أزمة بحرية أوسع أو إلى ارتفاع مستمر في تكاليف الطاقة؟ وفي المقابل، تواجه طهران تحدياً يتمثل في الحفاظ على مصادر دخلها وقدرتها على المناورة في ظل القيود المالية والبحرية.

ولا تحسم المؤشرات الحالية نتيجة هذه المواجهة. فالتراجع في الصادرات والإيرادات يمكن أن يزيد الضغط على الاقتصاد الإيراني، لكنه لا يكفي وحده للتنبؤ بموعد تغيير الموقف السياسي أو باستعداد الطرفين لتقديم تنازلات.

والعامل الحاسم سيكون مدى قدرة واشنطن على مواصلة تنفيذ العقوبات، واستعداد الدول والشركات للتعاون معها، وما إذا كانت الضغوط ستفتح مساراً تفاوضياً قابلاً للاستمرار. وحتى يتضح ذلك، ستظل الملاحة وأسواق الطاقة وأمن الخليج مرتبطة بمسار المواجهة، لا بقرارات العقوبات وحدها.

"
“تراهن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تشديد الضغط الاقتصادي والبحري على إيران لإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات، لكن استمرار صادرات نفط إيرانية رغم الحصار والعقوبات، بالتزامن مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، يكشف الفجوة بين الأهداف الأميركية المعلنة والنتائج التي يمكن تحقيقها سريعاً. وفي تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الجمعة 9 أكتوبر، قالت”
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

السعودية أمام اختبار الردع.. كيف تدير معركة تتسع من الجو إلى البحر؟

السعودية أمام اختبار الردع.. كيف تدير معركة تتسع من الجو إلى البحر؟

لم يعد التصعيد بين السعودية والحوثيين يُقاس بعدد الضربات المتبادلة داخل اليمن فقط. خلال الأيام الأخيرة انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً، بعدما تزامنت الهجمات المنسوبة إلى الحوثيين على مطارات ومنشآت داخل السعودية مع معارك متسارعة على الساحل اليمني قرب باب المندب، في وقت بدأت فيه الرياض بتفعيل ترتيبات دفاعية جديدة مع تركيا وباكستان. هذه

لندن - عمر فهد العلي
الخميس، ٨ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
معركة صنعاء.. ما السيناريوهات المحتملة؟

معركة صنعاء.. ما السيناريوهات المحتملة؟

دخلت الحرب اليمنية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع اتساع العمليات العسكرية التي تقودها القوات الحكومية اليمنية بدعم سعودي لاستعادة مناطق يسيطر عليها الحوثيون، في وقت انتقلت فيه المواجهة من جبهات الساحل الغربي وباب المندب إلى استهداف مواقع في صنعاء وصعدة. وأعلنت القوات الحكومية في 5 أكتوبر بدء ما وصفته بـ«هجوم استراتيجي» باتجاه

لندن - موسى مهدي
الثلاثاء، ٦ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
كيف يواجه آبي أحمد قمة العلمين؟

كيف يواجه آبي أحمد قمة العلمين؟

لم يكن اجتماع قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال في مدينة العلمين المصرية، الأحد، لقاءً عابرًا في توقيت عادي. فقد جاء بينما تعيش إثيوبيا واحدة من أكثر لحظاتها الإقليمية حساسية منذ سنوات: قتال متجدد في تيغراي، قطيعة دبلوماسية مع إريتريا، توتر متصاعد مع مصر، وخلافات مستمرة حول مياه النيل والوصول إلى البحر الأحمر. لكن السؤال الأهم

لندن - موسى مهدي
الاثنين، ٥ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟

محمد بن زايد.. كيف توسع نفوذ الإمارات في أفريقيا؟

لم يعد الحضور الإماراتي في أفريقيا مقتصراً على الاستثمارات التجارية والمشروعات اللوجستية، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية، تمتد من الموانئ والبنية التحتية إلى الشراكات مع الحكومات والتعامل مع أزمات إقليمية معقدة. ويضع هذا التوسع دولة الإمارات في موقع مؤثر في عدد من الملفات الأفريقية، لكنه يثير في الوقت نفسه

تحليل خاص - اليوم ميديا
الأحد، ٤ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة