تتجاوز قدرة الحوثيين العسكرية الحصول على الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى محاولة تطوير خبرات محلية في تجميع الأسلحة وصناعتها، بالاستفادة من التكنولوجيا الإيرانية ومكونات مستوردة من الصين، وصولاً إلى الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير برمجيات مرتبطة بتوجيه الصواريخ، وفق تقرير لوكالة رويترز نُشر الخميس 15 أكتوبر 2026.
وتأتي هذه التطورات في وقت استهدفت فيه هجمات حوثية، بحسب التقرير، مواقع داخل السعودية، بينها مطار الملك خالد الدولي في الرياض ومقر تابع لشركة أرامكو. وتسلط الهجمات الضوء على تحديات حماية المنشآت الحيوية، في وقت تسعى فيه المملكة إلى ترسيخ صورتها مركزاً آمناً للاستثمار والأعمال.
من تلقي السلاح إلى بناء الخبرة المحلية
يرى خبراء تحدثوا إلى رويترز أن الدعم الإيراني للحوثيين لم يقتصر على توفير الأسلحة والتمويل، بل شمل نقل المعرفة الفنية والتدريب على تشغيل الأنظمة الصاروخية. وقال أندرياس كريغ، المحاضر في دراسات الأمن بكلية كينغز كوليدج لندن، إن الحرس الثوري الإيراني وأفراداً من حزب الله اللبناني ساهموا في نقل الخبرات المتعلقة بالصواريخ وتشغيلها، فيما أسهم مهندسون يمنيون سابقون وكوادر محلية في ترسيخ هذه القدرات.
وتنفي طهران رسمياً تسليح الحوثيين بما يخالف حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة. وفي المقابل، تقول تقديرات الخبراء الواردة في التقرير إن الجماعة طورت قدرتها على تجميع بعض الأسلحة محلياً، بما فيها طائرات مسيّرة وصواريخ، الأمر الذي قد يقلل اعتمادها على وصول أسلحة مكتملة من الخارج.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن تعطيل شحنات السلاح لا يعني بالضرورة إنهاء القدرة على استخدامه أو إنتاجه؛ فامتلاك الخبرة الفنية وشبكات التوريد والقدرة على التجميع قد يسمح للجماعة بمواصلة تطوير ترسانتها حتى عند تعطل بعض خطوط الإمداد.
مكونات صينية وصواريخ أكثر تطوراً
لا تعتمد سلاسل الإمداد المرتبطة ببرنامج الحوثيين العسكري، وفق التقرير، على إيران وحدها. فقد قالت منظمة «أبحاث تسليح النزاعات» إن مكونات صينية المنشأ صودرت ضمن شحنة كانت متجهة إلى اليمن، وإن تحليل هذه المكونات يشير إلى مساعٍ لتطوير صواريخ باليستية متوسطة المدى مستوحاة من تصميم صاروخ «خيبر شكن» الإيراني.
ويشير هذا التقييم إلى احتمال انتقال الجماعة من الاعتماد على استيراد أسلحة أو مكونات جاهزة إلى محاولة تصنيع أجزاء من منظومات أكثر تعقيداً داخل اليمن. لكن وجود مكونات في شحنة مصادرة لا يثبت، بمفرده، أن منظومة صاروخية مكتملة قد صُنعت أو دخلت الخدمة؛ إذ تظل القدرة على دمج الأجزاء واختبارها وإنتاجها بكميات مؤثرة تحديات مستقلة.
وقال كريغ لرويترز إن الصين أصبحت مصدراً تجارياً مهماً لبعض المكونات، بينما تواصل إيران توفير الخبرة الفنية والتكنولوجيا العسكرية المتخصصة. ولا تعني الإشارة إلى منشأ المكونات الصينية، بحد ذاتها، ثبوت تورط الحكومة الصينية في تزويد الحوثيين بها؛ إذ يتطلب تحديد المسؤولية تتبع الشركات والوسطاء ومسارات التصدير.
الذكاء الاصطناعي يدخل محاولات تطوير الأسلحة
يمثل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي جانباً آخر من محاولات تطوير القدرات العسكرية. ففي تقرير نشرته شركة «أنثروبيك» في سبتمبر، قالت إنها رصدت مجموعة في شمال اليمن استخدمت أداة «كلود» للمساعدة في تطوير برمجيات مرتبطة بتوجيه الصواريخ والتحكم في مسارها، ضمن مشروعات شملت صاروخاً موجهاً وبرنامجاً لصاروخ باليستي بمدى مستهدف يتجاوز ألفي كيلومتر، إلى جانب تصور لصاروخ يتضمن مركبة انزلاقية فرط صوتية.
لكن هذه التفاصيل لا تعني أن المجموعة نجحت في تطوير جميع تلك الأسلحة أو تشغيلها. ووفق تقرير أنثروبيك، تعثرت تجربة صاروخ موجه، وعاد المستخدمون إلى الأداة لمحاولة تحليل أسباب الإخفاق. كما قالت الشركة إنها منعت عدداً من الطلبات التي رصدتها.
وتكشف هذه الواقعة عن إمكانية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في بعض مراحل العمل الهندسي والبرمجي، لكنها لا تثبت أن الذكاء الاصطناعي وحده أنتج سلاحاً متطوراً أو تجاوز العقبات المتعلقة بالتصنيع والاختبار والتشغيل. فهذه المراحل تتطلب مكونات مادية وخبرات هندسية وقدرات اختبار مستقلة.
دفاعات جوية تحت الضغط
في المقابل، تواجه السعودية تحديات تتعلق بحماية مساحة جغرافية واسعة ومنشآت موزعة على مناطق مختلفة. ونقل تقرير رويترز عن خبراء أن استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية بفعل التصعيد الإقليمي قد يزيد الضغوط على الدفاعات الجوية، في حين تجعل مساحة المملكة من الصعب تأمين جميع المواقع بالدرجة نفسها.
وقال التحالف العسكري الذي تقوده السعودية إنه اعترض صواريخ أطلقها الحوثيون، وإنه دمر 127 منشأة لتخزين الأسلحة ومنصات إطلاق تابعة للجماعة. وهذه أرقام وبيانات صادرة عن التحالف، ينبغي نسبتها إليه، ولا تكفي وحدها لتحديد الحجم الكامل للترسانة الحوثية أو قياس فاعلية الضربات والاعتراضات.
وتراكمت خبرة الحوثيين خلال سنوات الحرب اليمنية، ثم اتسعت أنشطتهم العسكرية مع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل واستهداف الملاحة في البحر الأحمر منذ حرب غزة عام 2023، وفق السياق الذي عرضه تقرير رويترز. ويرى محللون أن الخبرة العملياتية، إلى جانب تنويع مصادر المكونات وتطوير قدرات التجميع المحلية، ساعدت الجماعة على تعديل أساليبها وتوسيع طموحاتها العسكرية.
ما وراء الخبر
التحول الأهم ليس مجرد امتلاك الحوثيين أسلحة أكثر تطوراً، بل احتمال تشكل منظومة عسكرية تجمع بين نقل الخبرة الإيرانية، واستيراد مكونات من أسواق خارجية، وتطوير مهارات محلية والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي. وإذا ترسخت هذه المنظومة، فقد يصبح تعطيلها أصعب من اعتراض شحنة سلاح أو استهداف مخزن بعينه.
لكن يجب التمييز بين الطموح والقدرة الفعلية: فالمعلومات المتاحة عن المكونات الصينية ومحاولات استخدام الذكاء الاصطناعي تكشف عن اتجاهات تطوير، ولا تثبت أن جميع المشروعات نجحت أو أن الجماعة باتت قادرة على إنتاج صواريخ متقدمة بأعداد كبيرة. وتظل الأسئلة الحاسمة مرتبطة بقدرتها على التصنيع المتكرر، ودقة الأسلحة، وحجم مخزونها، ومدى فاعلية الدفاعات الجوية في مواجهة الهجمات المتعددة.
وبالنسبة إلى السعودية ودول الخليج، لا تتوقف المسألة عند شراء أنظمة دفاع إضافية؛ بل تشمل تنويع وسائل الإنذار والاعتراض، وحماية المنشآت الحيوية، وتتبع شبكات توريد المكونات ذات الاستخدام المزدوج، وتعزيز التعاون الاستخباراتي. فالتحدي الذي يصفه التقرير هو مواجهة خصم يتعلم ويعدل أساليبه، لا مجرد التعامل مع ترسانة ثابتة.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *