الغارديان: هل دخل الخليج حقبة جديدة من عدم الاستقرار؟
لندن – اليوم ميديا
تحذر صحيفة «الغارديان» البريطانية من أن دول الخليج تواجه مرحلة مختلفة من عدم الاستقرار، في ظل اتساع المواجهة الإقليمية وتزايد المخاطر الأمنية التي تطال السعودية وقطر والإمارات، بما يهدد البيئة التي بنت عليها هذه الدول طموحاتها الاقتصادية والسياحية ومشروعاتها لاستقطاب الاستثمارات والفعاليات الدولية.
وفي مقال رأي بعنوان «الخليج دخل حقبة جديدة من عدم الاستقرار.. وإذا كان قادته يعتقدون أنهم يستطيعون الاعتماد على التحالفات القديمة، فهم مخطئون»، ترى الكاتبة نسرين مالك أن الهجوم الذي شنته جماعة أنصار الله الحوثية على مطار الرياض يمثل تطوراً بالغ الخطورة، ضمن مسار تصعيد إقليمي تقول إنه غيّر معادلات الأمن في المنطقة.
وتعتبر مالك أن تداعيات الهجوم تتجاوز الخسائر المباشرة، إذ تضع أمن المنشآت الحيوية واستقرار حركة الطيران والاقتصاد الخليجي أمام تحديات متزايدة، في وقت تسعى فيه دول المنطقة إلى الحفاظ على مكانتها بوصفها مراكز عالمية للأعمال والسياحة والرياضة والترفيه.
من المواجهة مع إيران إلى استهداف الخليج
تستعرض مالك سلسلة من التطورات التي ترى أنها أسهمت في تراجع الاستقرار الإقليمي، بدءاً من إطلاق إيران صواريخ على قاعدة العديد الأمريكية في قطر، رداً على الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآتها النووية، مروراً بالهجوم الإسرائيلي على الدوحة الذي استهدف قادة في حركة حماس، وصولاً إلى الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران وما أعقبها من ضربات إيرانية طالت دول الخليج.
وبحسب قراءة الكاتبة، فإن تراكم هذه الأحداث أضعف الافتراض القائل إن العلاقات الأمنية مع القوى الكبرى قادرة وحدها على منع انتقال الصراعات إلى أراضي دول الخليج.
ولا تقتصر المخاطر، وفق المقال، على الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، بل تمتد إلى انعكاساتها الاقتصادية والصورة الدولية للمنطقة. فقد استثمرت دول الخليج مبالغ كبيرة في استضافة سباقات الفورمولا 1 وبطولات الغولف والملاكمة وغيرها من الفعاليات، إلى جانب تطوير قطاعات السياحة والترفيه والخدمات.
وترى مالك أن اتساع نطاق التهديدات الأمنية يضع هذه الطموحات أمام اختبار حقيقي، خصوصاً عندما تصبح المنشآت الحيوية وحركة الطيران والأنشطة الاقتصادية أهدافاً محتملة للتصعيد.
الحوثيون ومعادلة الأمن السعودي
تربط الكاتبة بين اتساع المواجهة الإقليمية وتجدد الصراع في اليمن، حيث ترى أن جماعة الحوثيين لا يمكن تفسير تحركاتها باعتبارها امتداداً للنفوذ الإيراني فحسب، بل تحكمها أيضاً حسابات داخلية وعداوات إقليمية، من بينها صراعها مع السعودية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية في تقدير مسار المواجهة؛ إذ إن فهم دوافع الجماعة وأهدافها المحلية والإقليمية ضروري لتفسير استمرار التصعيد، حتى في ظل أي تغير في طبيعة العلاقة بين طهران والحوثيين.
وفي هذا السياق، تتناول مالك تصاعد الضربات السعودية ضد الجماعة، وترى أن تجدد المواجهة يهدد بإدخال الرياض في صراع طويل ومعقد، يصعب حسمه سريعاً، وقد تترتب عليه كلفة إنسانية كبيرة.
وتحذر الكاتبة من أن الجماعة أظهرت استعداداً لتحمل خسائر كبيرة، الأمر الذي يجعل التعامل معها عسكرياً تحدياً يتجاوز حسابات التفوق في القدرات، ويطرح أسئلة بشأن فرص الوصول إلى نتيجة حاسمة.
هل تتغير معادلة التحالفات الخليجية؟
تضع مالك العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة في قلب تحليلها، معتبرة أن طريقة تعامل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع أمن حلفائها الخليجيين تثير تساؤلات بشأن حدود الاعتماد على التحالفات التقليدية.
وترى الكاتبة أن إعطاء الأولوية للمواجهة مع إيران، على حساب مخاوف الحلفاء الخليجيين، أضعف أحد العناصر التي كانت تسهم في احتواء التوترات الإقليمية. وتخلص إلى أن السعودية ودول الخليج تواجه واقعاً أمنياً لا يمكن التعامل معه بالاعتماد على الترتيبات السابقة وحدها.
لكن هذا الطرح يظل قراءة سياسية للكاتبة، ولا يعني بالضرورة انهيار التحالفات الخليجية أو انتهاء الشراكات الأمنية القائمة. فطبيعة هذه العلاقات تتأثر أيضاً بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية المشتركة، وبقدرة الأطراف المعنية على التكيف مع المتغيرات.
ما وراء الخبر: أمن الخليج بين الردع والاستقرار
تكشف قراءة الغارديان عن تحول في طبيعة النقاش بشأن أمن الخليج؛ فلم يعد السؤال مقتصراً على كيفية مواجهة هجوم بعينه، بل بات يشمل قدرة دول المنطقة على حماية منشآتها الحيوية، وضمان استمرارية التجارة والطيران، والحفاظ على جاذبيتها الاقتصادية في ظل تصاعد المخاطر الإقليمية.
وتبرز السعودية في قلب هذه المعادلة، بالنظر إلى موقعها الإقليمي وحجم مصالحها الاقتصادية والأمنية، فيما تواجه دول الخليج تحدياً مشتركاً يتمثل في الحد من انتقال الصراعات المحيطة بها إلى أراضيها ومرافقها الحيوية.
وفي المقابل، لا تعني التهديدات المتزايدة أن المنطقة تتجه حتماً إلى عدم استقرار دائم؛ إذ ستتوقف التطورات المقبلة على مسار المواجهة مع إيران، ومستقبل الصراع في اليمن، وفاعلية الجهود الدبلوماسية، ومدى قدرة دول الخليج وشركائها على تعزيز الردع وتقليل مخاطر التصعيد.
وبين تحذيرات الغارديان وما ستكشفه التطورات الميدانية، يبقى التحدي الأساسي أمام دول الخليج هو الحفاظ على أمنها واستقرارها الاقتصادي، مع تجنب الانجرار إلى مواجهات مفتوحة يصعب التنبؤ بمدتها أو كلفتها.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *