لم تعد الحرب مع إيران ملفاً أمنياً منفصلاً عن السياسة الداخلية الإسرائيلية؛ فقد أصبحت جزءاً من النقاش حول قيادة البلاد، وحدود القوة العسكرية، وكلفة المواجهة الممتدة. ومع توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع الثلاثاء، يتداخل مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو السياسي مع سؤال أكبر: هل تستطيع إسرائيل تحويل التفوق العسكري إلى نتائج استراتيجية مستدامة، أم أن استمرار الحرب سيزيد الضغوط على الحكومة المقبلة؟
وتشير تغطية «رويترز» للانتخابات الإسرائيلية إلى أن الاقتراع يأتي بعد هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والحروب التي تلته في غزة ولبنان وإيران. وترى تحليلات نقلتها الوكالة أن هذه المواجهات عززت توجهاً أمنياً يقوم على مواجهة إيران، وإبقاء مناطق عازلة خارج الحدود الإسرائيلية، واستخدام القوة العسكرية لردع الخصوم. وهذا يعني أن تغيير الحكومة، إن حدث، لا يضمن بالضرورة تغييراً جذرياً في السياسة الأمنية الإسرائيلية.
إيران تدخل الحسابات الانتخابية
برزت إيران في قلب السجال الانتخابي بعدما أفادت صحيفة «الغارديان» الاثنين بأن نتنياهو ضغط، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية، على المؤسسة العسكرية للنظر في خيارات للتحرك ضد إيران قبيل الانتخابات. ونقلت الصحيفة تقارير عن توتر بشأن توجيهات قد تؤدي إلى مواجهة جديدة، بينما نفى نتنياهو ووزارة الدفاع وجود خطط لعمل عسكري من هذا النوع. كما أفادت تقارير إعلامية بأن نتنياهو طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب استئناف الضربات، لكن ترامب لم يوافق على التحرك قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
وتكشف هذه التقارير عن حساسية الملف الإيراني في المنافسة السياسية، لكنها لا تثبت أن قراراً باستئناف الحرب اتُّخذ بالفعل، ولا تكفي وحدها للجزم بأن التحركات العسكرية المزعومة كانت مدفوعة بالانتخابات. فإيران تمثل تهديداً أمنياً معلناً في الخطاب الإسرائيلي منذ سنوات، وقد تستمر المواجهة معها بصرف النظر عن هوية رئيس الحكومة.
ومع ذلك، فإن توقيت التصعيد المحتمل يضع نتنياهو أمام معادلة صعبة. فمن جهة، يمكن أن يعزز الخطاب المتشدد صورته بوصفه قائداً يضع الأمن في مقدمة أولوياته. ومن جهة أخرى، فإن العودة إلى حرب جديدة من دون أهداف محددة أو نتائج قابلة للقياس قد تفتح الباب أمام انتقادات تتعلق بجدوى العمليات العسكرية، وكلفتها، ومدى قدرة الحكومة على حماية الإسرائيليين.
تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير الاستراتيجية
توضح قراءة «رويترز» المنشورة في 21 أكتوبر أن السياسة الأمنية الإسرائيلية قد تحتفظ باتجاهها العام حتى إذا تغيرت القيادة. فالخلافات بين نتنياهو وخصومه لا تعني بالضرورة وجود بديل متفق عليه بشأن إيران، أو بشأن استخدام القوة خارج الحدود، أو بشأن مستقبل الأراضي الفلسطينية.
وتكمن أهمية ذلك في الفصل بين نتيجتين مختلفتين: نتيجة الانتخابات، ومسار الحرب. فقد تؤدي الانتخابات إلى إعادة تشكيل الائتلاف الحاكم، لكنها لا تنهي تلقائياً المواجهة مع طهران. وفي المقابل، قد تؤثر القيود العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في قرارات أي حكومة، بصرف النظر عن هوية رئيسها.
كما أن العلاقة مع واشنطن تظل عاملاً مؤثراً. فاستئناف الضربات ضد إيران لا يرتبط بالحسابات الإسرائيلية وحدها، بل يتصل أيضاً بموقف الإدارة الأميركية، وقدرتها على توفير الدعم العسكري والدفاعي، واستعدادها لتحمل تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة أو اتساع نطاق المواجهة في الخليج.
كلفة الحرب تتجاوز صناديق الاقتراع
لا تقتصر آثار الحرب على المنافسة بين الأحزاب. فاستمرار المواجهة يفرض أعباء أمنية واقتصادية، ويزيد المخاوف من اتساع نطاق الهجمات، ويضع قدرة الحكومة على إدارة الجبهات المتعددة موضع اختبار. كما أن غياب تسوية سياسية واضحة قد يترك إسرائيل أمام دورة متكررة من العمليات العسكرية، من دون ضمان أن تؤدي كل جولة إلى تقليص التهديدات على المدى الطويل.
وفي المقابل، لا يمكن افتراض أن الناخبين سيمنحون أصواتهم على أساس الحرب وحدها؛ إذ تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الاقتصاد، والثقة بالقيادة، ومستقبل الائتلافات، والقضايا الداخلية. لذلك، فإن قراءة الانتخابات من زاوية إيران وحدها قد تبالغ في تفسير عامل واحد على حساب بقية العوامل.
ما وراء الخبر
الحرب غيّرت موقع الملف الإيراني في الحسابات السياسية الإسرائيلية، لكنها لم تحسم العلاقة بين النجاح العسكري والنجاح الانتخابي. فالتصعيد قد يمنح القيادة فرصة لإظهار الحزم، لكنه قد يزيد أيضاً الأسئلة بشأن الأهداف والنتائج والكلفة.
زاوية اليوم ميديا: الاختبار الأهم ليس ما إذا كانت الانتخابات ستغيّر اسم رئيس الحكومة فحسب، بل ما إذا كانت ستنتج مراجعة فعلية للاستراتيجية الأمنية. فإذا بقيت مواجهة إيران محوراً أساسياً في السياسة الإسرائيلية، فقد يتغير أسلوب إدارة الحرب من دون أن يتغير اتجاهها العام. أما الانتقال من المواجهة العسكرية إلى تسوية مستدامة، فيتطلب أهدافاً سياسية واضحة، لا مجرد نتائج ميدانية مؤقتة.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *