
في خطوة تكشف إلى أين تريد شركات التكنولوجيا نقل الذكاء الاصطناعي، كشفت شركة «ميتا» عن جهاز صغير جديد باسم Muse Charm، مصمم ليكون بوابة محمولة إلى وكيل الذكاء الاصطناعي الشخصي «Muse»، في محاولة لنقل التفاعل مع الذكاء الاصطناعي من شاشة الهاتف إلى جهاز مخصص له.
وأعلن الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، مارك زوكربيرغ، الجهاز خلال مؤتمر Meta Connect 2026، الأربعاء، في مفاجأة جاءت في ختام الفعالية. وبحسب «رويترز»، يشبه الجهاز في حجمه تقريباً علبة سماعات «AirPods»، ويضم شاشة تعمل باللمس يبلغ حجمها نحو بوصتين واتصالاً بشبكات الجيل الخامس. وتعتزم الشركة بدء شحنه خلال موسم العطلات في ديسمبر، لكنها لم تعلن سعره حتى الآن.
جهاز صغير لوكيل يعمل بدلاً منك
اللافت في «Muse Charm» ليس حجمه، وإنما الوظيفة التي تريد «ميتا» أن يؤديها. فالجهاز صُمم للتفاعل مع Muse، وهو وكيل ذكاء اصطناعي قدمته «ميتا» في سبتمبر، وتقول الشركة إنه لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يستطيع تنفيذ مهام نيابة عن المستخدم، مثل إرسال رسائل البريد الإلكتروني، وحجز الرحلات، وملء النماذج، والعمل عبر المتصفح والتعامل مع بعض التطبيقات والخدمات.
وتقول «ميتا» إن Muse يستطيع مواصلة العمل على بعض المهام حتى بعد إغلاق التطبيق، ثم العودة إلى المستخدم عندما يحتاج إلى موافقته على خطوة حساسة، مثل إرسال رسالة أو إجراء عملية شراء.
وهنا تكمن أهمية الجهاز الجديد: «ميتا» لا تضيف شاشة أخرى إلى حياة المستخدم بقدر ما تحاول بناء نقطة وصول مباشرة إلى وكيل قادر على تنفيذ الأعمال.
من الهاتف إلى «الوكيل»
خلال مؤتمر Connect، وسعت «ميتا» نطاق Muse ليعمل عبر أكثر من منصة، بما في ذلك نظارات الذكاء الاصطناعي، كما أعلنت أن الوكيل سيحصل على إمكانات للعمل على أجهزة «Mac» والتعامل مع مجموعة أكبر من الخدمات.
وتشمل قائمة الخدمات التي أعلنتها الشركة منصات للتسوق والدفع والسفر والعمل، من بينها Shopify وWalmart وPayPal وExpedia وNotion وGitHub، مع إضافة شركاء آخرين تدريجياً.
وهذا يعني أن المعركة المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تكون فقط حول من يملك النموذج الأكثر ذكاءً، بل حول من يستطيع تحويل ذلك الذكاء إلى وكيل يتولى الأعمال اليومية للمستخدم.
لماذا تحتاج «ميتا» إلى جهاز مستقل؟
السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان Muse موجوداً على الهاتف، فلماذا يحتاج المستخدم إلى جهاز منفصل؟
الإجابة المحتملة تكمن في طبيعة الاستخدام. فبدلاً من فتح الهاتف والبحث عن التطبيق المناسب ثم كتابة الطلب، تريد «ميتا» أن تجعل الوصول إلى الوكيل أقرب إلى امتلاك مساعد شخصي دائم الحضور.
وقد يكون هذا مهماً خصوصاً إذا تطورت قدرات الوكلاء على تنفيذ المهام في الخلفية، والتعامل مع الخدمات المختلفة، وفهم السياق الشخصي للمستخدم.
لكن ذلك لا يعني أن الهاتف أصبح مهدداً بالاختفاء. الأقرب أن «Muse Charm» يمثل تجربة جديدة لاختبار شكل العلاقة بين المستخدم والذكاء الاصطناعي، وليس إعلاناً عن نهاية الهاتف.
الخصوصية.. الاختبار الأصعب
وتأتي خطوة «ميتا» في وقت تواجه فيه أجهزة الذكاء الاصطناعي القابلة للارتداء أسئلة متزايدة حول الخصوصية.
وكانت «رويترز» قد ذكرت قبل مؤتمر Connect أن شركات التكنولوجيا تبحث عن أجهزة جديدة تقود إلى ما بعد الهاتف، لكن المخاوف المتعلقة بالكاميرات والميكروفونات وتسجيل المحيطين بالمستخدم أصبحت أحد أكبر التحديات أمام انتشار هذه المنتجات.
ولهذا يبدو «Muse Charm» مختلفاً من زاوية مهمة: فهو جهاز مخصص للتفاعل مع وكيل الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاعتماد على كاميرا تراقب العالم من حول المستخدم كما يحدث في بعض النظارات الذكية.
ومع ذلك، يبقى السؤال عن البيانات التي يحتاجها الوكيل كي يصبح مفيداً فعلاً: ماذا يعرف عن المستخدم؟ وما الخدمات التي يستطيع الوصول إليها؟ ومتى يتصرف من تلقاء نفسه؟ ومتى يتطلب موافقة صاحبه؟ هذه الأسئلة قد تصبح أهم من مواصفات الجهاز نفسه.
«ما وراء الخبر»
ما كشفته «ميتا» اليوم يتجاوز إطلاق جهاز صغير. الشركة تراهن على انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة «اسألني وسأجيبك» إلى مرحلة «قل لي ما تريد وسأحاول إنجازه».
وإذا نجحت هذه الفكرة، فقد تتغير طريقة استخدام الأجهزة الرقمية تدريجياً: بدلاً من التنقل بين عشرات التطبيقات لإتمام مهمة واحدة، يصبح المستخدم أمام وكيل واحد يتولى التنسيق بينها.
لكن نجاح هذا النموذج سيتوقف على ثلاثة عوامل: الدقة، والثقة، والخصوصية.
فكلما مُنح الذكاء الاصطناعي صلاحيات أكبر للتصرف نيابة عن الإنسان، أصبحت الأخطاء أكثر كلفة، وأصبح السؤال الأهم ليس فقط: «هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذ المهمة؟»، بل: «هل أثق به بما يكفي لأتركه ينفذها؟» وهذه هي المعركة التي بدأت «ميتا» اختبارها بجهاز صغير يمكن وضعه في الجيب.



التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *