اجتذب نسيج بايو، الذي يوثق أحداث الغزو النورماندي لإنجلترا قبل نحو ألف عام، اهتماماً لافتاً في المتحف البريطاني، بعدما أظهرت بيانات بنك «مونزو» أن 55% من مشتري التذاكر في أحدث دفعة كانوا دون 35 عاماً. وبلغ الإنفاق على التذاكر 14,100 جنيه إسترليني خلال الساعة الأولى من طرحها، متجاوزاً الإنفاق المسجل خلال افتتاحات سينمائية لأفلام هوليوودية بارزة، فيما نفدت التذاكر خلال ثلاث ساعات.
تحوّل نسيج تاريخي يعود إلى القرن الحادي عشر إلى أحد أبرز الأحداث الثقافية في لندن، بعدما شهد معرضه في المتحف البريطاني إقبالاً واسعاً، خصوصاً من الشباب، في مؤشر على قدرة المعارض التاريخية على استقطاب جمهور واسع عندما تقترن بأهمية أثرية وتجربة عرض استثنائية.
وذكرت صحيفة «الغارديان»، في تقرير نشرته الاثنين، أن بيانات بنك «مونزو» أظهرت أن حاملي بطاقاته أنفقوا 14,100 جنيه إسترليني على تذاكر المعرض خلال الساعة الأولى من طرح الدفعة الثانية، وهو ما يعادل 48 ضعف الإنفاق المعتاد في صباح يوم أربعاء. وشكّل المشترون الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً 55% من المشترين في هذه الدفعة، وفق بيانات البنك.
وتجاوز الإنفاق خلال الساعة الأولى الأرقام المسجلة في افتتاحات سينمائية لأفلام كبرى هذا العام؛ إذ بلغ 7,000 جنيه إسترليني لفيلم «الأوديسة»، و6,300 جنيه لفيلم «سبايدرمان: يوم جديد»، بحسب البيانات التي أوردتها الصحيفة. غير أن المقارنة تتعلق بالإنفاق خلال الفترة المحددة، ولا تعني أن المعرض تجاوز هذه الأفلام في إجمالي عدد الزوار.
ولم يقتصر الإقبال على سكان العاصمة البريطانية. فقد جاء نحو نصف المشترين من خارج لندن، ووصل بعضهم من منطقة غلاسكو، فيما اصطف آلاف الأشخاص في طوابير إلكترونية للحصول على التذاكر. ونفدت الدفعة الجديدة خلال ثلاث ساعات، مقارنة بنحو 24 ساعة استغرقها بيع الدفعة الأولى.
وبحسب البيانات التي نقلتها «الغارديان»، ارتفع إنفاق حاملي بطاقات «مونزو» على التذاكر إلى 30,500 جنيه إسترليني خلال الساعتين الأوليين من طرحها. وتعكس الأرقام حجم الطلب على المعرض، وإن كانت بيانات البنك لا تمثل بالضرورة جميع عمليات الشراء أو جميع زوار المتحف.
ويُعد نسيج بايو من أبرز الأعمال الفنية التاريخية في أوروبا؛ إذ يبلغ طوله نحو 70 متراً، ويتضمن مشاهد مطرزة تسرد أحداثاً سبقت معركة هاستينغز عام 1066، والغزو النورماندي الذي غيّر مسار التاريخ الإنجليزي. ويقدم العمل، إلى جانب تصويره للصراع العسكري، تفاصيل عن الحياة في تلك الحقبة، من الملابس والسفن إلى المباني والأدوات اليومية.
ويستضيف المتحف البريطاني النسيج بموجب اتفاق إعارة تاريخي مع فرنسا، في أول عودة له إلى إنجلترا منذ نحو ألف عام. ويستمر المعرض من سبتمبر 2026 حتى يوليو 2027، ما يمنح الزوار فرصة نادرة لمشاهدة العمل خارج موطنه المعتاد في مدينة بايو الفرنسية.
وأدى الإقبال الكبير إلى تحديات في تنظيم الزيارات، بعدما واجه بعض الزوار فترات انتظار طويلة. واتخذ المتحف إجراءات لتنظيم حركة الجمهور، من بينها تقييد التصوير أثناء المرور بمحاذاة النسيج، بهدف الحد من التوقفات التي تعطل حركة الزوار وإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن لمشاهدة العمل.
وتشير هذه التجربة إلى أن الاهتمام بالتاريخ لا يقتصر على الباحثين أو الفئات الأكبر سناً؛ إذ يمكن لقطعة أثرية ذات قصة واضحة وقيمة تاريخية استثنائية أن تتحول إلى حدث جماهيري، خصوصاً عندما تكون فرصة مشاهدتها محدودة وتحظى بتغطية إعلامية واسعة.
ما وراء الخبر
لا تكمن دلالة الإقبال على نسيج بايو في مقارنة الإنفاق على تذاكره بتذاكر السينما فحسب، بل في قدرة مؤسسة ثقافية على تحويل أثر تاريخي إلى تجربة يتطلع الجمهور إلى خوضها. وتوضح البيانات أن الندرة، والاهتمام الإعلامي، والقيمة التاريخية قد تجتمع لتوليد طلب كبير، لكن قياس مدى تغير أذواق الشباب يحتاج إلى بيانات أوسع من عملية بيع واحدة.
زاوية اليوم ميديا
تطرح تجربة المتحف البريطاني سؤالاً مهماً أمام المؤسسات الثقافية العربية: كيف يمكن تقديم التراث بوصفه تجربة حية ترتبط باهتمامات الأجيال الجديدة؟ فالنجاح لا يعتمد على قيمة القطعة وحدها، بل أيضاً على طريقة رواية قصتها، وسهولة الوصول إليها، وجودة تنظيم الزيارة والتواصل الرقمي حولها. وقد يكون الاستثمار في هذه العناصر طريقاً لجعل المتاحف وجهات جاذبة للشباب، لا مجرد أماكن لحفظ الماضي.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *