في تجربة قد ترسم مساراً جديداً لصناعة الأدوية، تختبر شركة أميركية تصنيع بلورات دواء مرشح لعلاج السرطان داخل كبسولة تدور حول الأرض، مستفيدة من بيئة الجاذبية الصغرى لتحسين خصائص المركبات الدوائية التي يصعب على الجسم امتصاصها.
وقالت صحيفة «الغارديان» البريطانية، في تقرير نشرته الأربعاء، إن شركة «فاردا سبيس إندستريز» (Varda Space Industries)، ومقرها كاليفورنيا، تعمل على تطوير مختبرات آلية في المدار، قادرة على معالجة مواد دوائية ثم إعادتها إلى الأرض لتحليلها.
وبحسب الصحيفة، يوجد حالياً ثلاثة من مركبات الشركة في المدار، بعد إطلاق مركبتين في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، وثالثة في العشرين من الشهر نفسه. وتحمل إحدى هذه المركبات تجربة تستهدف دراسة كيفية تأثير انعدام الوزن تقريباً في تكوين بلورات دواء مرشح لعلاج السرطان.
لماذا تُصنّع الأدوية خارج الأرض؟
تتيح الجاذبية الصغرى للمواد أن تتبلور في ظروف تختلف عن تلك الموجودة على الأرض؛ إذ تؤثر الجاذبية في حركة الجسيمات والسوائل، وقد تؤدي إلى اضطرابات تعوق نمو البلورات بصورة منتظمة.
ويأمل الباحثون أن يساعد التحكم في شكل البلورات وتركيبها على تحسين ذوبان بعض المركبات الدوائية واستقرارها وطرق إعطائها للمرضى. وقد يتيح ذلك، في بعض الحالات، تطوير تركيبات أسهل في الاستخدام، بدلاً من أدوية تتطلب التسريب الوريدي.
وتكتسب هذه التجارب أهمية خاصة بالنسبة إلى فئة من المركبات المرشحة لعلاج السرطان تُعرف باسم «بروتاك» (PROTAC)، وهي جزيئات مصممة للاستعانة بآليات الخلية الطبيعية للتخلص من بروتينات مرتبطة بالأمراض.
لكن هذه الجزيئات كبيرة ومعقدة نسبياً، وقد تواجه صعوبات في الذوبان والتصنيع الدوائي، ما يجعل تحسين خصائصها الفيزيائية خطوة مهمة في مسار تطويرها.
مختبرات آلية تعود بنتائجها إلى الأرض
تعمل مركبات «فاردا» كمختبرات مستقلة غير مأهولة، تُنقل إلى المدار على متن صواريخ تجارية، ثم تُجرى التجارب داخلها قبل إعادة كبسولات محملة بالعينات إلى الأرض.
وتهدف الشركة إلى زيادة وتيرة هذه الرحلات، معلنة خططاً لتنفيذ سبع مهمات في عام 2027 وعشر مهمات في عام 2028، بما يسمح بتكرار التجارب والتحقق من نتائجها بوتيرة أعلى.
ولا يقتصر التصنيع المداري على الأدوية؛ إذ تستكشف شركات أخرى إمكانية إنتاج مواد متقدمة، بما فيها بلورات أشباه الموصلات، في ظروف قد تساعد على تقليل العيوب وتحسين نقاء المواد.
كما تعمل شركات على تطوير محطات فضائية تجارية ومختبرات متخصصة، في وقت يُتوقع فيه تقاعد محطة الفضاء الدولية قرب عام 2030، ما يزيد الاهتمام ببناء بنية تحتية تجارية للأبحاث والتصنيع خارج الأرض.
ما الذي يمنع تحول الفكرة إلى صناعة دوائية؟
رغم الآفاق العلمية الواعدة، لا تزال الجدوى التجارية غير محسومة. فإرسال المواد إلى المدار وإعادتها يتطلب تكاليف مرتفعة، ما يجعل استخدام هذه التقنية أكثر منطقية في المنتجات عالية القيمة التي يمكن أن تحقق فوائد واضحة لا يمكن الوصول إليها بسهولة على الأرض.
ويحتاج الباحثون أيضاً إلى إثبات إمكانية تكرار النتائج بصورة موثوقة، والتأكد من أن التحسينات في البلورات تؤدي فعلاً إلى فوائد دوائية ملموسة.
ويبرز الجانب التنظيمي بوصفه تحدياً إضافياً، إذ يتعين على الجهات الرقابية تحديد كيفية تطبيق معايير سلامة وجودة الأدوية على المنتجات المصنّعة في المدار.
ما وراء الخبر
لا تتمثل الفكرة في نقل مصانع الأدوية إلى الفضاء لمجرد الابتكار، بل في اختبار ما إذا كانت بيئة الجاذبية الصغرى قادرة على حل مشكلات محددة في تصنيع بعض الأدوية والمواد المتقدمة.
وإذا أثبتت التجارب إمكانية إنتاج تركيبات أفضل بصورة متكررة وبتكلفة مقبولة، فقد يصبح المدار الفضائي جزءاً متخصصاً من سلسلة تطوير الأدوية، لا بديلاً عن المصانع الأرضية.
لكن الطريق لا يزال طويلاً بين إنتاج بلورات في الفضاء وإثبات سلامة دواء وفعاليته في التجارب السريرية ثم حصوله على الموافقات التنظيمية. وحتى الآن، لا تعني هذه التجربة اكتشاف علاج جديد للسرطان أو جاهزيته للاستخدام لدى المرضى.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *