قد تبدو مساعدة أحد أفراد الأسرة في أوقات الأزمات المالية أمراً بديهياً، لكن الأمور تصبح أكثر تعقيداً عندما تتحول المساعدة المؤقتة إلى التزام طويل الأمد، أو عندما يُطلب من شخص تحمل تكاليف لم يشارك في اتخاذ القرارات التي أدت إليها.
وتطرح رسالتان نشرتهما صحيفة «واشنطن بوست» في 29 أكتوبر 2026، ضمن برنامجها «Life Hax»، تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين التضامن العائلي والقدرة المالية الشخصية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشقيق أو والد مسن يحتاج إلى رعاية مستمرة.
وتكشف الرسالتان عن معضلتين مختلفتين: الأولى لشقيقة تشعر بالغضب من اضطرارها إلى إعالة أختها التي لم تدخر ما يكفي لمواجهة الشيخوخة، والثانية لشقيق يُطلب منه المساهمة في تكاليف رعاية والدته رغم محدودية دخله واعتراضه على القرارات المالية التي اتخذها أشقاؤه.
أخت بلا مدخرات.. وشعور بالمسؤولية والغضب
في الحالة الأولى، تروي امرأة في منتصف الستينيات أن شقيقتها عاشت حياة اتسمت بالتنقل المستمر بين المدن والعلاقات ومجموعات الأصدقاء، دون استقرار مهني أو مالي يضمن لها الأمان في سنوات الشيخوخة.
وتقول صاحبة الرسالة إنها ظلت لسنوات بمثابة الملاذ الآمن لشقيقتها، إذ وفرت لها مكاناً لتخزين أغراضها، وعنواناً بريدياً لتلقي المراسلات المهمة، فضلاً عن استقبالها في منزلها كلما واجهت ظروفاً صعبة.
لكن الوضع أصبح أكثر تعقيداً مع تقدم الشقيقتين في العمر. فقد اكتشفت أن أختها لا تملك مدخرات تُذكر، وأن عملها خارج الأطر الرسمية لفترات طويلة تركها مع استحقاقات محدودة من الضمان الاجتماعي، فضلاً عن مشكلات صحية تحول دون قدرتها على العمل.
وتقول المرأة إنها تشعر بالغضب والاستياء لأنها أصبحت الشخص الوحيد الذي يمكن لشقيقتها الاعتماد عليه، بعدما ابتعد عنها أصدقاؤها الذين رافقوها في مراحل حياتها السابقة.
ورغم إدراكها أنها تستطيع رفض تقديم المساعدة، فإنها تخشى أن يؤدي ذلك إلى تشرد شقيقتها، الأمر الذي يجعل قرار الابتعاد عنها صعباً من الناحية الإنسانية.
ولا يتمثل سؤالها في كيفية مساعدة أختها فحسب، بل في كيفية تجاوز شعورها بالاستياء والتصالح مع قرار تحمل مسؤولية لم تكن تتوقع أن تقع على عاتقها.
رعاية الأم المسنة.. من يتحمل الفاتورة؟
أما الحالة الثانية، فتتناول خلافاً عائلياً حول تكاليف رعاية أم تبلغ 97 عاماً، بعدما أبلغ أحد الأشقاء أفراد الأسرة بأن والدتهم لم تعد تملك أموالاً كافية لتغطية تكاليف رعايتها، وأن الجميع مطالبون بالمساهمة في النفقات.
ويقول صاحب الرسالة، وهو الأصغر بين ثلاثة أشقاء، إنه عاش تاريخياً بموارد مالية أقل من شقيقيه، وإنه اعتاد تدبير حياته من راتبه الشهري دون امتلاك فائض مالي كبير.
ويضيف أن شقيقيه توليا إدارة الشؤون المالية للأم واتخاذ القرارات المتعلقة بمكان إقامتها، وأنها نُقلت عدة مرات دون إشراكه بصورة فعلية في تلك القرارات، بل طُلب منه في مناسبات سابقة الابتعاد عن التدخل فيها.
وجاءت المفاجأة عندما تلقى رسالة تفيد بأن والدته لم تعد تملك المال الكافي لتغطية تكاليف الرعاية، وأن على الأشقاء الثلاثة تحمل النفقات.
وتبلغ تكلفة المنشأة التي تقيم فيها الأم حالياً نحو 8 آلاف دولار شهرياً، وهو مبلغ يرى صاحب الرسالة أنه كان يمكن تجنبه باختيار خيارات رعاية أقل تكلفة.
ويقول إنه لم يكن ليوافق على هذا القرار لو أُشرك فيه، مشيراً إلى أنه يعيش على مسافة تقارب 1500 ميل من والدته، لكنه يحرص على زيارتها والاتصال بها باستمرار. كما عرض عليها الإقامة في غرفة إضافية بمنزله، لكنها رفضت بسبب اختلاف الظروف المناخية.
ويشعر الرجل بالذنب لأنه لا يستطيع دفع حصته من التكاليف، لكنه في الوقت نفسه يرى أنه لم يشارك في القرارات التي أدت إلى استنزاف أموال والدته.
لذلك يتساءل عما إذا كان من حقه إبلاغ المستشار المالي للأسرة بعدم قدرته على الدفع، وما إذا كان رفض المساهمة يجعله شخصاً أنانياً.
المساعدة لا تعني التضحية بالاستقرار المالي
تكشف الحالتان عن جانب معقد من العلاقات الأسرية، يتمثل في أن الالتزامات المالية بين الأقارب لا تُحدد دائماً وفق القدرة الفعلية لكل فرد، بل تتداخل فيها مشاعر الذنب والواجب والتاريخ العائلي والخلافات القديمة.
ففي الحالة الأولى، لا يتعلق الأمر بمساعدة شقيقة تمر بأزمة عابرة، وإنما بمسؤولية قد تستمر سنوات، وهو ما يضع صاحبة الرسالة أمام ضرورة التمييز بين تقديم الدعم الإنساني وتحمل جميع أعباء حياة شخص آخر.
وفي الحالة الثانية، تبرز مشكلة مختلفة تتعلق بعدالة توزيع المسؤوليات، خصوصاً عندما يتخذ بعض أفراد الأسرة قرارات مكلفة دون مشاركة الآخرين، ثم يطلبون منهم تحمل نتائجها المالية.
وتشير الحالتان إلى أن التضامن العائلي لا ينبغي أن يتحول إلى التزام مفتوح يتجاوز الإمكانات المالية للأفراد، كما أن رفض دفع مبالغ لا يستطيع الشخص تحملها لا يعني بالضرورة التخلي عن أسرته.
وقد تكون المساعدة في مثل هذه الظروف مالية أو عملية أو عاطفية، بما يتناسب مع قدرة كل فرد وظروفه، مع ضرورة مناقشة النفقات والبدائل المتاحة بشفافية قبل اتخاذ قرارات تؤثر في جميع أفراد الأسرة.
زاوية اليوم ميديا: ليست القضية دائماً فيمن يملك المال ومن لا يملكه، بل في كيفية توزيع المسؤولية داخل الأسرة، وفي حق كل فرد في وضع حدود واقعية للمساعدة دون أن يتحول ذلك إلى شعور دائم بالذنب.






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *