كشفت منصة «باينانس»، أكبر منصة لتداول العملات المشفرة في العالم، عن تفاصيل اختراق إلكتروني قالت إن قراصنة تمكنوا خلاله من الاستيلاء على أصول رقمية بقيمة نحو 6.3 مليار دولار، بعد حملة اختراق استمرت أشهراً، بدأت ببرمجيات خبيثة ومقابلة عمل وهمية، وانتهت باستغلال أنظمة داخلية للوصول إلى المحافظ الرقمية.
وقالت المنصة، في تحديث أمني نشرته الثلاثاء، إن أحد مهندسي البرمجيات لديها تلقى في سبتمبر الماضي عرضاً لإجراء مقابلة عمل عبر منصة توظيف حقيقية، من أشخاص انتحلوا صفة مسؤولين في شركة غير موجودة.
وبحسب التفاصيل التي أوردتها صحيفة «واشنطن بوست»، بدت المقابلة الأولى، التي أجريت عبر اتصال مرئي، طبيعية، كما شارك الشخص الذي قدم نفسه بصفته مسؤولاً تنفيذياً حساباً على وسائل التواصل الاجتماعي يتضمن صوراً ومقاطع شخصية، بهدف تعزيز مصداقيته وكسب ثقة الموظف.
لكن المرحلة التالية كشفت عن الخدعة؛ إذ طُلب من المهندس تنزيل ملفات برمجية على جهاز العمل باعتبارها اختباراً تقنياً ضمن إجراءات التوظيف. وتبين لاحقاً أن الملفات تتضمن برمجيات خبيثة مكّنت المهاجمين من اختراق الجهاز والتسلل إلى أنظمة الشركة.
اختراق بدأ قبل أشهر
لم تكن مقابلة العمل الوهمية سوى جزء من عملية أكثر تعقيداً بدأت، وفقاً لتحقيقات باينانس، في يونيو الماضي، عندما حمّل مهندس آخر برنامجاً معدلاً يحتوي على شيفرات خبيثة أثناء محاولته تثبيت أداة برمجية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ورصد فريق الأمن السيبراني في المنصة النشاط المشبوه، واستبدل جهاز الموظف وغيّر بيانات الدخول، لكنه لم يتمكن من منع المهاجمين من الاستفادة من المعلومات التي جمعوها عن دوره الوظيفي وصلاته بفريق البنية التحتية للمحافظ الرقمية.
وفي 20 أكتوبر، استغل المهاجمون الجهاز الذي تعرض للاختراق عبر مقابلة العمل، إلى جانب أداة ذكاء اصطناعي داخلية تستخدمها الشركة، للوصول إلى جهازي موظفين آخرين، من بينهم مهندس يعمل ضمن فريق المحافظ الرقمية.
وفي 29 أكتوبر، استخدم المهاجمون بيانات اعتماد مسروقة وجهاز أحد المهندسين لتنفيذ شيفرة خبيثة، مكّنتهم من الوصول غير المصرح به إلى نظام داخلي مسؤول عن توقيع معاملات المحافظ الرقمية، وإجراء تحويلات خارج إجراءات السحب المعتادة.
واستغرقت عملية الاستيلاء على الأصول نحو 20 دقيقة، وفقاً للتفاصيل التي أوردتها الصحيفة.
اتهامات لكوريا الشمالية وباينانس تعوض المستخدمين
وأشارت تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي وشركات متخصصة في تتبع العملات المشفرة إلى مسؤولية مجموعة قرصنة مرتبطة بكوريا الشمالية عن الهجوم، فيما نفت بيونغ يانغ الاتهامات، ووصفتها بأنها محاولة أميركية لتشويه صورتها.
وقالت باينانس إنها رصدت وأحبطت 57 محاولة اختراق إلكتروني يُشتبه في ارتباطها بكوريا الشمالية خلال عام 2026، مشيرة إلى أنها تعمل على تعزيز أنظمة الحماية والاستعانة بخبراء مستقلين لمراجعة الحادثة.
وأضافت المنصة أنها بدأت استخدام احتياطياتها لتعويض الأصول المتضررة، وأعلنت استعادة أو إعادة تغطية نحو 98% من الأصول المتأثرة، وفق تحديثها الأمني.
وفي سياق متصل، أفادت صحيفة «الغارديان» بأن نحو 2.85 مليار دولار من الأصول المسروقة جرى تجميدها أو اعتراضها، في إطار جهود شركات ومنصات العملات المشفرة لتعقب الأموال ومنع استخدامها.
واعتذرت باينانس للمستخدمين والشركاء عن الحادثة، مؤكدة أنها تعمل على إعادة بناء الأنظمة والأدوات المتأثرة وتعزيز قدراتها على اكتشاف التهديدات الإلكترونية.
ما وراء الخبر
لا تكمن خطورة اختراق باينانس في حجم الأموال التي استولى عليها المهاجمون فحسب، بل في الطريقة التي تمكنوا بها من تجاوز منظومة أمنية متقدمة عبر استهداف العنصر البشري.
فالاختراق لم يبدأ بهجوم مباشر على الخوادم أو المحافظ الرقمية، وإنما باستغلال رغبة موظف في الحصول على فرصة عمل جديدة، وتحويل إجراء توظيف اعتيادي إلى مدخل للوصول إلى بنية تحتية مالية حساسة.
والأكثر إثارة للقلق هو توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي الداخلية في توسيع نطاق الاختراق، بما يكشف أن الأدوات المصممة لتعزيز الإنتاجية قد تتحول، في حال اختراق بيئة استخدامها، إلى وسيلة تساعد المهاجمين على التحرك داخل المؤسسات.
وتطرح الحادثة سؤالاً أوسع أمام شركات التكنولوجيا والمؤسسات المالية: هل لا تزال أنظمة الحماية التقليدية قادرة على مواجهة هجمات تستهدف الموظفين أولاً، ثم تستغل صلاحياتهم وأدواتهم للوصول إلى الأصول الأكثر حساسية؟






التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *